تنزيه الأنبياء عمّا نسب إليهم حثالة الأغبياء - ابن خمير - الصفحة ١٣٧ - ـ شرح قصة أيوب
وهنا نكتة شريفة يجب الاعتبار بها في قصّة مريم عليهاالسلام عند هزّ الجذع ، وهي معضودة بقصّة أيّوب عليهالسلام في بركة ركضه ، وبركات بعض الأنبياء فيما لمسوه وركضوه وضربوه. وذلك أنّ معظم أهل الإشارة رحمهمالله أصفقوا [١] على أن مريم عليهاالسلام كان مقامها في الغرفة أعلى ممّا كان عند النّخلة.
واستدلّوا على ذلك بما جاء في الخبر عن الرّزق الذي كان يجد عندها زكريا عليهالسلام ، إذ كان يجد عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف ، وفاكهة الصّيف في الشتاء. فكان يأتيها بلا سبب ، فلمّا نظرت إلى عيسى عليهالسلام حين ولدته أحبّته [٢] ، فأمرت بالكسب في هزّ النخلة لكونها رجعت من جمع إلى تفريق.
وقالوا في هذا وأطنبوا [٣] ، وأنشدوا الأبيات المشهورة على قافية الباء ، إلى غير ذلك. وهذه رحمهمالله وهلة منهم وغفلة عن الأولى والأحرى في حقّ تلك الصّدّيقة.
وأوّل ما يعترض به عليهم أن يقال لهم : من أين يحكمون عليها أنّها لما رأت الولد تفرّقت بميل قلبها إليه؟.
وهذا لا يصح إلاّ بتوقيف ، والتّوقيف في ذلك معدوم ، وبم تردّون على من يدعي نقيض دعواكم؟ ويبرهن عن ذلك أنّ مريم عليهاالسلام ما كانت قطّ في مقام هو أعلى
[١] أصفقوا : أجمعوا.
[٢] روى القرطبي ١١ / ٩٦ قال : قال علماؤنا : لمّا كان قلبها فارغا فرّغ الله جارحتها عن النّصب (التّعب) فلمّا ولدت عيسى وتعلّق قلبها بحبّه ، واشتغل سرّها بحديثه وأمره وكلها إلى كسبها ، وردّها إلى العادة بالتعلّق بالأسباب في عباده.
[٣] سيذكر المؤلّف ـ رحمهالله ـ أنّ أول الشّعر الذي أنشدوه في مريم عليهاالسلام :
|
ألم تر أنّ الله أوحى لمريم |
إليك فهزّي الجذع تساقط الرّطب |
وانظر مقدّمة التحقيق.