زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٥٥٠ - الآية ١٤ ـ ١٦
ثمّ عدّد سبحانه نوعا آخر من أنواع نعمه ، فقال : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ) جعله بحيث تتمكّنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ) بالاصطياد (لَحْماً طَرِيًّا) هو السمك. ووصفه بالطراوة ، لأنّه أرطب اللحوم ، يسرع إليه الفساد ، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريّا في ماء زعاق [١].
وتمسّك به مالك والثوري على أنّ من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك.
وأجيب عنه بأنّ مبنى الأيمان على العرف ، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق.
ألا ترى إذا قال الرجل لغلامه : اشتر بهذه الدراهم لحما ، فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار. ونظيره أنّ الله سمّى الكافر دابّة في قوله : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [٢]. ولا يحنث الحالف على أن لا يركب دابّة بركوب الكافر.
(وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) كاللؤلؤ والمرجان ، أي : تلبسها نساؤكم ، فأسند إليهم لأنّهنّ من جملتهم ، ولأنّهنّ يتزيّنّ بها لأجلهم.
(وَتَرَى الْفُلْكَ) السفن (مَواخِرَ فِيهِ) شواقّ في البحر ، وقواطع لمائه. يعني : في حالة الجريان تشقّ البحر بحيزومها [٣]. من المخر ، وهو شقّ الماء. وعن الفرّاء : هو صوت جري الفلك بالرياح.
(وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) من سعة رزقه بركوبها للتجارة (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي : تعرفون نعم الله فتقومون بحقّها. ولعلّ تخصيصه بتعقيب الشكر ، لأنّه أقوى نعمة من نعم المنعم ، من حيث إنّه جعل مظانّ الهلاك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش.
[١] الزعاق : الماء المرّ لا يطاق شربه.
[٢] الأنفال : ٥٥.
[٣] في هامش النسخة الخطّية : «هو وسط الصدر. منه».