زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣٨٩ - الآية ٥٨ ـ ٦٧
وهو قوله : (فَلا كَيْلَ لَكُمْ). كأنّه قال : فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا.
(قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ) سنجتهد في طلبه من أبيه (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) ذلك لا نتوانى فيه.
(وَقالَ لِفِتْيانِهِ) لغلمانه الكيّالين. جمع فتى [١]. وقرأ حمزة والكسائي وحفص : لفتيانه على جمع الكثرة ، ليوافق الرحال في قوله : (اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ) فإنّه وكلّ بكلّ رحل واحدا يعبّئ فيه بضاعتهم الّتي شروا بها الطعام ، أي : يجعل في رحالهم خفية كيلا يفهموا. واحدها : رحل. يقال للوعاء رحل ، وللمسكن رحل. وأصله : الشيء المعدّ للرحيل. وكانت البضاعة نعالا وأدما. وإنّما ردّ عليهم البضاعة توسيعا وتفضّلا عليهم ، وترفّعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم ، وخوفا من أن لا يكون عند أبيهم ما يعيشون به.
(لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها) لعلّهم يعرفون حقّ ردّها ، أو لكي يعرفوها (إِذَا انْقَلَبُوا) انصرفوا ورجعوا (إِلى أَهْلِهِمْ) وفتحوا أوعيتهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لعلّ معرفتهم ذلك الإحسان التامّ تدعوهم إلى الرجوع إلينا لطلب الميرة ثانيا.
قيل : معناه : أنّ ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة الّتي لا يستحلّون إمساكها ، فيرجعون لأجلها. ولم يعرّف يوسف نفسه ، مع علمه بشدّة حزن أبيه وقلقه واحتراقه على ألم فراقه ، لأنّه لم يؤذن له في التعريف ، استتماما للمحنة عليه وعلى يعقوب ، ولما علم الله من الحكمة والصلاح في تشديد البليّة ، تعريضا للمنزلة السنيّة.
(فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب بنيامين (فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا) بنيامين (نَكْتَلْ) أي : نأخذ ما نحتاج إليه من الطعام بالكيل ، ونرفع المانع منه. وقرأ حمزة والكسائي بالياء ، على إسناده إلى
[١] أي : على قراءة : لفتيته.