زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣١٩ - الآية ١٠٠ ـ ١٠٨
وهذا مرويّ عن ابن عبّاس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري ، وقتادة ، والسدّي ، والضحّاك ، وجمع من المفسّرين.
إن قيل : فعلى هذا لم يكن قوله : (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيما صحيحا ، لأنّ شرط التقسيم أن تكون صفة كلّ قسم منتفية عن قسيمه.
قلنا : ذلك الشرط من حيث التقسيم ، لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع ، وهاهنا المراد مانع الخلوّ ، فإنّ المعنى المراد : أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين ، وحالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة ، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين.
وقيل : الاستثناء من الخلود باعتبار أنّ أهل النار لا يخلّدون في عذاب النار وحده ، بل يعذّبون بالزمهرير ، وبأنواع أخر من العذاب سوى عذاب النار ، وبما هو أغلظ منها كلّها ، وهو سخط الله عليهم وخسئه لهم وإهانته إيّاهم ، كما أنّ أهل الجنّة لهم سوى الجنّة ما هو أكبر منها وأجلّ موقعا منهم ، وهو رضوان الله ، كما قال : (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ) [١]. فلهم ما يتفضّل الله به عليهم سوى ثواب الجنّة ممّا لا يعرف كنهه إلّا هو. فهو المراد من الاستثناء. والدليل عليه قوله : (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) أي : إنّه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب المخلّد ، كما يعطي أهل الجنّة عطاءه الّذي لا انقطاع له.
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا) بطاعات الله ، وانتهائهم عن المعاصي (فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) غير مقطوع. وهو تصريح بأنّ الثواب لا ينقطع.
وقيل : «إلّا» بمعنى : سوى ، كقولك : عليّ ألف إلّا الألفين القديمين. والمعنى :
[١] التوبة : ٧٢.