البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٤
قيل: دلَّ على أنّه ينبغي المساواة بين الخوف والرجاء، والنظر في الأوّل إلى جواز التقصير في الأعمال القلبيّة والبدنيّة مع ملاحظة عظمة الربّ وقهره على جميع الممكنات وغنائه[١] عنها. وفي الثاني إلى العجز والمسكنة مع ملاحظة بسط نعمه وسعة كرمه ورحمته، وغنائه عن تعذيب العباد وعبادتهم، وإنعامه عليهم في هذه الدار بلا سبق استحقاق، فلا يبعد أجراً أعظم منها في دار القرار، فمن نظر إلى هذا تارةً وإلى ذاك اُخرى حصلت له مَلَكَة الخوف وملكة الرجاء، وهو متحيّر بين الحالتين ومتردّد بين المنزلتين، ومن علاماته الزهد في الدُّنيا، وترك ما لا ينبغي، والرغبة في الآخرة، وطلب ما ينبغي، كما روي: «من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه[٢] ».[٣] (ثمّ قال: إنّ اللَّه تبارك وتعالى) . في أكثر النسخ: «عزّ وجلّ». (عند ظنّ عبده، إن خيراً فخيراً، وإن شرّاً فشرّاً) . قال الفاضل الإسترآبادي: إن قلت: هذا مناف لما تقدّم من تساوي الخوف والرجاء؟ قلت: غير مناف؛ لأنّ المراد أنّه ينبغي أن يكون اجتناب المؤمن عن المحرّمات اجتناب من أشرف على النار، وأن يكون اشتغاله بالعبادات اشتغال من علم أنّه من أهل الجنّة. وبالجملة: ما تقدّم ناظر إلى العمل، وما تأخّر ناظر إلى الاعتقاد والاعتماد على أنّ كرمه تعالى ورحمته أزيد من تقصرات العبد[٤] بمراتب لا تحصى، وعلى أنّ رحمته سبقت غضبه، انتهى.[٥] وقال بعض الشارحين: نظير هذا الخبر من طرق الخاصّة كثير، وفي كتب العامّة موجود؛ روى مسلم عن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله قال: يقول اللَّه عزّ وجلّ: «أنا عند ظنّ عبدي بي».[٦] قال: قلت: هل فيه دلالة