الأحكام السلطانية والولايات الدينية - الماوردي - الصفحة ٢٢٢ - فصل في ثبوت الجرائم
تَرْكِهِ لَهَا ، فَإِنْ قَالَ : لِنِسْيَانٍ أُمِرَ بِهَا قَضَاءً فِي وَقْتِ ذِكْرِهَا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهَا مِثْلَ وَقْتِهَا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : * ( مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ ) * .
وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ صَلَّاهَا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : * ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ) * .
وَإِنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا كَانَ كَافِرًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ إذَا لَمْ يَتُبْ ، وَإِنْ تَرَكَهَا اسْتِثْقَالًا لِفِعْلِهَا مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُضْرَبُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يُقْتَلُ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَصِيرُ بِتَرْكِهَا كَافِرًا يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهَا وَلَا يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا ، وَلَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ ، فَإِنْ تَابَ وَأَجَابَ إلَى فِعْلِهَا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا ، فَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِي وُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى فِعْلِهَا بِمَشْهَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ وَلَمْ يُجِبْ إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ قُتِلَ بِتَرْكِهَا فِي الْحَالِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَيَقْتُلُهُ بِسَيْفٍ صَبْرًا .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ يَقْتُلُهُ ضَرْبًا بِالْخَشَبِ حَتَّى يَمُوتَ وَيَعْدِلَ عَنْ السَّيْفِ الْمُوَحَّى لِيَسْتَدْرِكَ التَّوْبَةَ بِتَطَاوُلِ الْمَدَى .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ بِتَرْكِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهَا ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ قَتْلَهُ بِهَا كَالْمُوَقَّتَاتِ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا لِاسْتِقْرَارِهَا فِي الذِّمَّةِ بِالْفَوَاتِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ قَتْلِهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَيَكُونُ مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ .
فَأَمَّا تَارِكُ الصِّيَامِ فَلَا يُقْتَلُ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَيُحْبَسُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مُدَّةَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَيُؤَدَّبُ تَعْزِيرًا ، فَإِنْ أَجَابَ إلَى الصِّيَامِ تُرِكَ ، وَوُكِّلَ إلَى أَمَانَتِهِ ، فَإِنْ شُوهِدَ آكِلًا عُزِّرَ ، وَلَمْ يُقْتَلْ .
وَأَمَّا إذَا تَرَكَ الزَّكَاةَ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا وَتُؤْخَذُ إجْبَارًا مِنْ مَالِهِ ، وَيُعَزَّرُ إنْ كَتَمَهَا بِغَيْرِ