الأحكام السلطانية والولايات الدينية - الماوردي - الصفحة ١٩٩ - الباب الثامن عشر في وضع الديوان وذكر أحكامه
الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ : فِي وَضْعِ الدِّيوَانِ وَذِكْرِ أَحْكَامِهِ وَالدِّيوَانُ مَوْضِعٌ لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنْ الْجُيُوشِ وَالْعُمَّالِ ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ دِيوَانًا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ كِسْرَى اطَّلَعَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى كُتَّابِ دِيوَانِهِ فَرَآهُمْ يَحْسِبُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ دِيوَانِهْ أَيْ مَجَانِينُ فَسُمِّيَ مَوْضِعُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ ثُمَّ حُذِفَ الْهَاءُ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَخْفِيفًا لِلِاسْمِ فَقِيلَ دِيوَانٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الدِّيوَانَ بِالْفَارِسِيَّةِ اسْمُ الشَّيَاطِينِ فَسُمِّيَ الْكُتَّابُ بِاسْمِهِمْ لِحِذْقِهِمْ بِالْأُمُورِ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وَجَمْعِهِمْ لِمَا شَذَّ وَتَفَرَّقَ ، ثُمَّ سُمِّيَ مَكَانُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ فَقِيلَ دِيوَانٌ .
وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدِّيوَانَ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ وَضْعِهِ لَهُ ، فَقَالَ قَوْمٌ : سَبَبُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَاذَا جِئْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَاسْتَكْثَرَهُ عُمَرُ فَقَالَ لَهُ : أَتَدْرِي مَا تَقُولُ ؟ قَالَ نَعَمْ مِائَةُ أَلْفٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عُمَرُ أَطَيِّبٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَنَا مَالٌ كَثِيرٌ ، فَإِنْ شِئْتُمْ كِلْنَا لَكُمْ كَيْلًا ، وَإِنْ شِئْتُمْ عَدَدْنَا لَكُمْ عَدَّا ، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : قَدْ رَأَيْتُ الْأَعَاجِمَ يُدَوِّنُونَ دِيوَانًا لَهُمْ فَدَوِّنْ أَنْتَ لَنَا دِيوَانًا .
وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ سَبَبُهُ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بَعْثًا ، وَكَانَ عِنْدَهُ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ لِعُمَرَ هَذَا بَعْثٌ قَدْ أَعْطَيْتَ أَهْلَهُ الْأَمْوَالَ ، فَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَآجَلَ بِمَكَانِهِ فَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ صَاحِبُكَ بِهِ فَأَثْبِتْ لَهُمْ دِيوَانًا فَسَأَلَهُ عَنْ الدِّيوَانِ حَتَّى فَسَّرَهُ لَهُمْ .
وَرَوَى عَابِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الْحَارِثِ بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدِّيوَانِ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إلَيْكَ مِنْ الْمَالِ وَلَا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَرَى مَالًا كَثِيرًا يَتْبَعُ النَّاسَ ، فَإِنْ لَمْ يُحْصُوا حَتَّى يُعْرَفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ ، فَقَالَ