الأحكام السلطانية والولايات الدينية - الماوردي - الصفحة ٢٢١ - فصل في ثبوت الجرائم
وَالتَّاسِعُ : أَنَّ لِلْأَمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ غُرْمًا ، وَلَا حَدًّا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى ، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الْأَثَرُ وَلَا يُرَاعِي السَّبْقَ .
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الِاقْتِرَابِ وَالتَّعَدِّي .
وَالثَّانِي : بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ ، وَإِذَا رَأَى مِنْ الصَّلَاحِ فِي رَدْعِ السَّفَلَةِ أَنْ يُشْهِرَهُمْ وَيُنَادِيَ عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الِاسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لِاخْتِصَاصِ الْأَمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالْأَحْكَامِ .
( فَصْلٌ ) وَأَمَّا بَعْدَ ثُبُوتِ جَرَائِمِهِمْ فَيَسْتَوِي فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ أَحْوَالُ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ ، وَثُبُوتُهَا عَلَيْهِمْ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : إقْرَارٌ وَبَيِّنَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالْحُدُودُ زَوَاجِرُ وَضَعَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - لِلرَّدْعِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا حَظَرَ وَتَرْكِ مَا أَمَرَ بِهِ لِمَا فِي الطَّمَعِ مِنْ مُغَالَبَةِ الشَّهَوَاتِ الْمُلْهِيَةِ عَنْ وَعِيدِ الْآخِرَةِ بِعَاجِلِ اللَّذَّةِ ، فَجَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ زَوَاجِرِ الْحُدُودِ مَا يَرْدَعُ بِهِ ذَا الْجَهَالَةِ حَذَرًا مِنْ أَلَمِ الْعُقُوبَةِ وَخِيفَةً مِنْ نَكَالِ الْفَضِيحَةِ لِيَكُونَ مَا حَظَرَ مِنْ مَحَارِمِهِ مَمْنُوعًا وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ فُرُوضِهِ مَتْبُوعًا فَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ أَعَمَّ وَالتَّكْلِيفُ أَتَمَّ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : * ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) * : يَعْنِي فِي اسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ الْجَهَالَةِ ، وَإِرْشَادِهِمْ مِنْ الضَّلَالَةِ وَكَفِّهِمْ عَنْ الْمَعَاصِي وَبَعْثِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالزَّوَاجِرُ ضَرْبَانِ : حَدٌّ وَتَعْزِيرٌ : فَأَمَّا الْحُدُودُ فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَالثَّانِي : مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَمَّا الْمُخْتَصَّةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ .
وَالثَّانِي : مَا وَجَبَ فِي ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ .
فَأَمَّا مَا وَجَبَ فِي تَرْكِ مَفْرُوضٍ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا يُسْأَلُ عَنْ