الأحكام السلطانية والولايات الدينية - الماوردي - الصفحة ١٨٢ - فصل في بيان أن لحافر الآبار ثلاثة أحوال
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَجْهِ أَرْضِهِ شَرَابًا مُقَدَّرًا لَهُمْ بِاتِّفَاقِهِمْ أَوْ عَلَى مِسَاحَةِ أَمْلَاكِهِمْ لِيَأْخُذَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ قَدْرَ حَقِّهِ وَيُسَاوِي جَمِيعَ شُرَكَائِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ وَلَا لَهُمْ أَنْ يَنْقُصُوهُ وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرَ شُرْبًا مُقَدَّمًا ، كَمَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الزُّقَاقِ الْمَرْفُوعِ أَنْ يُؤَخِّرَ بَابًا مُقَدَّمًا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ شُرْبًا مُؤَخَّرًا وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَدِّمَ بَابًا مُؤَخَّرًا ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْبَابِ الْمُؤَخَّرِ اقْتِصَارًا عَلَى بَعْضِ الْحَقِّ .
وَفِي تَقْدِيمِ الشُّرْبِ الْمُؤَخَّرِ عَلَى الْحَقِّ .
فَأَمَّا حَرِيمُ هَذَا النَّهْرِ الْمَحْفُورِ فِي الْمَوَاتِ فَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُعْتَبَرٌ بِعُرْفِ النَّاسِ فِي مِثْلِهِ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقَنَاةِ لِأَنَّ الْقَنَاةَ نَهْرُ بَاطِنٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ النَّهْرِ مَلْقَى طِينِهِ .
قَالَ أَبُو يُوسُفَ : وَحَرِيمُ الْقَنَاةِ مَا لَمْ يَسِحْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَكَانَ جَامِعًا لِلْمَاءِ وَلِهَذَا الْقَوْلِ وَجْهٌ مُسْتَحْسَنٌ .
( فَصْلٌ ) وَأَمَّا الْآبَارُ فَلِحَافِرِهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَحْفِرَهَا لِسَابِلَةٍ فَيَكُونُ مَاؤُهَا مُشْتَرَكًا وَحَافِرُهَا فِيهِ كَأَحَدِهِمْ .
قَدْ وَقَفَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِئْرَ رُومَةَ فَكَانَ يَضْرِبُ بِدَلْوِهِ مَعَ النَّاسِ ، وَيَشْتَرِكُ فِي مَائِهَا إذَا اتَّسَعَ شُرْبَ الْحَيَوَانِ وَسَقْيَ الزَّرْعِ ، فَإِنْ ضَاقَ مَاؤُهَا عَنْهُمَا كَانَ شُرْبُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الزَّرْعِ وَيَشْتَرِكُ فِيهَا الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا كَانَ الْآدَمِيُّونَ بِمَائِهَا أَحَقَّ مِنْ الْبَهَائِمِ .
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِارْتِفَاقِهِ بِمَائِهَا كَالْبَادِيَةِ إذَا انْتَجَعُوا أَرْضًا وَحَفَرُوا فِيهَا بِئْرًا لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ مَوَاشِيهِمْ كَانُوا أَحَقَّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا عَلَيْهَا فِي نُجْعَتِهِمْ وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَضْلِ مِنْ مَائِهَا لِلشَّارِبِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِذَا ارْتَحَلُوا عَنْهَا صَارَتْ الْبِئْرُ سَابِلَةً فَتَكُونُ خَاصَّةَ الِابْتِدَاءِ وَعَامَّةَ الِانْتِهَاءِ ، فَإِنْ عَادُوا إلَيْهَا بَعْدَ الِارْتِحَالِ عَنْهَا كَانُوا هُمْ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءً فِيهَا ، وَيَكُونُ السَّابِقُ إلَيْهَا أَحَقَّ بِهَا .
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَحْتَفِرَهَا لِنَفْسِهِ مِلْكًا فَمَا لَمْ يَبْلُغْ الْحَفْرُ إلَى اسْتِنْبَاطِ مَائِهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا اسْتَنْبَطَ مَاءَهَا اسْتَقَرَّ مِلْكًا بِكَمَالِ الْإِحْيَاءِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَيَكُونُ طَيُّهَا مِنْ كَمَالِ الْإِحْيَاءِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ثُمَّ يَصِيرُ مَالِكًا لَهَا وَلِحَرِيمِهَا .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ حَرِيمِهَا ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ الْبِئْرِ لِلنَّاضِحِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ