مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٤٧٠ - القصور في عالم الحجّيّة
الاُولى: ما دلّ على تحريم الحكم بغير ما أنزل اللَّه[١].
ويرد على الاستدلال به: أنّ حكم العقل رافع لموضوع ذلك; لأنّ المفروض أنّنا قد أدركنا عن طريق العقل كون الحكم الفلاني ممّا أنزل اللَّه وحكم به.
الثانية: ما دلّ على تحريم الحكم والقول بغير علم، أو بلا هدى، أو بلا حجّة[٢].
وهذه حالها حال الطائفة الاُولى، فبإدراك العقل يثبت العلم والبيّنة والهدى.
الثالثة: ما دلّ على النهي عن الاستقلال عنهم
في الأحكام[٣].
والجواب: أنّ الرجوع إلى الأدلّة العقليّة لا يعني الاستقلال عنهم; فإنّنا إنّما نخوض فيها بعد مراجعة الأخبار الواردة عنهم; كي نعرف هل ورد عنهم نهي عن ذلك، أو لا؟ وهذا ليس استقلالاً عنهم.
الرابعة: ما دلّ على عدم قبول الأعمال من دون ولاية ولىّ اللَّه[٤].
ويرد على الاستدلال بذلك:
أوّلاً: أنّ المقصود بتلك الروايات ليس هو البطلان، بل نفي مرتبة القبول والثواب.
وثانياً: أنّ الرجوع إلى الدليل العقلىّ لا ينافي التديّن بولاية ولىّ اللَّه.
الخامسة: الأخبار الرادعة عن الرأي الناهية عنه، أو المبيّنة لعدم معذوريّة المعتمد عليه، بدعوى: شمول إطلاقها للرأي العقلىّ القطعىّ[٥].
وهذه الطائفة هي العمدة في الاستدلال.
ولكن يرد على الاستدلال بها:
أوّلاً: أنّ دعوى القطع بكون المراد من الرأي فيها ما كان متعارفاً في ذاك الزمان من الأدلّة العقليّة الظنّيّة ـ من القياس والاستحسانات ـ ليست مجازفة; وذلك لشهادة اُمور كثيرة على ذلك، يحصل من مجموعها القطع بذلك بحساب الاحتمالات:
فمنها: الشواهد التأريخيّة الدالّة على إطلاق الرأي في ذلك الزمان على الظنون العقليّة، ممّا يشهد على أنّه كان مصطلحاً خاصّاً بينهم.
ومنها: ورود كثير من تلك الأخبار في مقام الردّ على أصحاب الرأي بذاك المعنى، كأبي حنيفة وابن شبرمة وغيرهما.
ومنها: ما فيها من التعبير تارة بالرأي، واُخرى بالقول بغير علم، ممّا يوحي إلى كون
[١] راجع الوسائل ج ٢٧ بحسب طبعة آل البيت الباب ٥ من صفات القاضي، مضافاً إلى الآيات القرآنيّة: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُلئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون». سورة المائدة، الآية: ٤٤ و٤٥ و٤٧.
[٢] المصدر السابق، الباب ٤ من صفات القاضي، مضافاً إلى القرآن: «لا تقف ما ليس لك به علم» سورة الإسراء، الآية: ٣٦، «إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً» سورة يونس، الآية: ٣٦.
[٣] المصدر السابق، الباب ٧ من صفات القاضي.
[٤] الوسائل ج ١ ، الباب ٢٩ من مقدّمة العبادات ص ١١٨ فصاعداً بحسب طبعة آل البيت.
[٥] الوسائل، الباب ٦ من صفات القاضي.