مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٣٨٩ - آراء الأعلام في المسألة
وهو الحقّ الأوّل، ليس فيه تنزّل عن الترك بنحو الموافقة القطعيّة إلى الترك بنحو الموافقة الاحتماليّة; وذلك لقدرة المكلّف على الموافقة القطعيّة بترك الالتزام بهما معاً.
فإذا كان الحقّ الأوّل بذاته متنزّلاً إلى حقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة بخلاف الحقّ الثاني، تبيّن لك: أنّ في الالتزام بأحد الطرفين موافقة قطعيّة لحقّ الالتزام، ومخالفة احتماليّة لحقّ ترك الالتزام بضدّ الواجب، وفي ترك الالتزام بهما معاً موافقة قطعيّة لحقّ ترك الالتزام بضدّ الواجب، ومخالفة قطعيّة لحقّ الالتزام بالواجب. إذن فكلا الفرضين يشتركان في موافقة قطعيّة، ويختلفان في أنّ أحدهما يشتمل على مخالفة احتماليّة، والآخر يشتمل على مخالفة قطعيّة، والمخالفة الاحتماليّة أهون من المخالفة القطعيّة.
إن قلت: بعد البناء على قبح التجرّي يكون للمولى فيما نحن فيه حقوق عقليّة ثلاثة:
١ ـ حقّ الالتزام بأحد الحكمين.
٢ ـ حقّ ترك الالتزام بالوجوب.
٣ ـ حقّ ترك الالتزام بالحرمة.
وباعتبار وجود التناقض بين متعلّقي الحقّين الآخرين بمجموعهما، ومتعلّق الحقّ الأوّل، يستحيل اجتماع الحقّين الآخرين مع الحقّ الأوّل، لا للتزاحم، وعجز المكلّف عن الجمع فحسب، بل لعدم تعقّل تعلّق الحقّ بالنقيضين في ذاته، فيتساقط الحقّ الأوّل مع أحد الحقّين الأخيرين، ويتحوّل الحقّان الأخيران إلى حقّ ترك الالتزام بأحدهما تخييراً.
قلت: مركز حقّ عدم الالتزام بضدّ الحكم إنّما هو ابتداءً عبارة عن أصل الحكم الواقعىّ المعلوم، ويجب ملاحظة حاله عند التزاحم مع حقّ الالتزام بالتكليف، فلو تقدّم عليه، وصلت النوبة إلى تحقّق حقّين بعدد الموافقتين الاحتماليّتين له، بناءً على كون القبح في الحقيقة للجامع بين التجرّي والمعصية، ولو تقدّم حقّ الالتزام عليه كما عرفت، لم تصل النوبة إلى ذلك[١] هذا.
[١] وينبغي ـ أيضاً ـ بيان أنّ مصبّ حقّ وجوب الالتزام بالتكليف ـ أيضاً ـ كان من أوّل الأمر هو ذات التكليف المعلوم، ولكن بما أنّ هذا الحقّ لو بقي محوره عبارة عن ذات التكليف، لوجبت موافقته القطعيّة بالالتزام بكلّ واحد من الحكمين; لأنّ مفهوم الحقّ مستبطن لمفهوم التنجّز، واحتمال المنجّز منجّز لا محالة، والاحتمال قائم في كلا الطرفين، في حين أنّ المفروض عدم إمكانيّة الموافقة القطعيّة. فالمفروض: أنّ محوره قد تبدّل من الواقع المعلوم إلى أحد محتملي الواقعيّة على سبيل التخيير، لا أنّ مصبّ الحقّ ابتداءً كان عبارة عن كلا محتملي الواقعيّة، وسقط أحدهما بالعجز; كي يقال: إنّه إذن في مقابل ذلك يكون حقّ ترك الالتزام بضدّ التكليف ـ أيضاً ـ ابتداءً عبارة عن حقّ ترك الالتزام بهذا، وحقّ ترك الالتزام بذاك، فرجعنا إلى فرضيّة الحقوق الثلاثة.
ثُمّ إنّني أعتقد أنّ هذا الإشكال على ما اُعمل فيه من دقّة وتحقيق غير واضح الورود على صاحب الكفاية; فإنّه لم يفترض التساوي بين حقّ ترك الالتزام بضدّ التكليف وحقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة بالتكليف، وإنّما افترض التساوي بين حقّ الالتزام بضدّ التكليف وحقّ الالتزام بذات التكليف، ومن حقّه أن يدّعي أنّ حقّ الالتزام بذات التكليف حينما يتحوّل (على أساس العجز عن الموافقة القطعيّة الالتزاميّة) إلى حقّ الالتزام بنحو الموافقة الاحتماليّة، سيكون الحقّ المتحوّل إليه أخفّ من الحقّ الأصلىّ، وأنزل درجة بقدر ما يوجد من مستوى الفرق بين درجة الموافقة القطعيّة والموافقة الاحتماليّة.