مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٣١٨ - باب ما أخذه الله على المؤمن من الصبر على ما يلحقه فيما ابتلي به
وفي رواية أخرى وذلك أن معروفه يصعد إلى الله فلا ينشر في الناس والكافر مشكور.
وقال الجزري في النهاية : فيه المؤمن مكفر أي مزرئا في نفسه وماله لتكفر خطاياه ، انتهى.
وهذا الوجه لا يحتمل في هذه الأخبار ، وكان المراد بالتعليل أن معروفه لما كان خالصا لله مقبولا عنده لا يرضى له بأن يثيبه في الدنيا فتكفر نعمته ليكمل ثوابه في الآخرة ، والكافر لما لم يكن مستحقا لثواب الآخرة يثاب في الدنيا كعمل الشيطان ، وقيل : هو مبني على أن المؤمن يخفى معروفه من الناس ولا يفعله رياء ولا سمعة فيصعد إلى الله ولا ينتشر في الناس ، والكافر يفعله علانية ورياء وسمعة فينتشر في الناس ، ولا يقبله الله ولا يصعد إليه ، وقيل : المعنى أن معروفه الكثير ، الذي يدل عليه صيغة التفعيل ، لا يعلمه إلا الله ، ومن علمه بالوحي من قبله تعالى لأن معروفه ليس من قبيل الدراهم والدنانير ، بل من جملة معروفه حياة سائر الخلق ، وبقائهم بسببه وأمثال ذلك من النعم العظيمة المخفية.
وربما يقال في وجه التعليل أن المؤمن يجعل معروفه في الضعفاء والفقراء الذين ليس لهم وجه عند الناس ولا ذكر ، فلا يذكر ذلك في الخلق ، والكافر يجعل معروفه في المشاهير والشعراء والذين يذكرونه في الناس فينتشر فيهم.
فإن قيل : بعض تلك الوجوه ينافي ما سيأتي في باب الرياء أن الله تعالى يظهر العمل الخالص ويكثره في أعين الناس ومن أراد بعمله الناس يقلله الله في أعينهم؟
قلنا : يمكن حمل هذا على الغالب ، وذاك على النادر ، وهذا على المؤمن الخالص وذاك على غيرهم ، أو هذا على العبادات المالية وذاك على العبادات البدنية