وانقضت أوهام العمر - السيد جمال محمّد صالح - الصفحة ١٢٠ - الفصل التاسع مخالفة الشيعة حتى ولو كان ذلك على حساب الشريعة
تمكن منّي! وهم يتصورون أنّ المرض قد بدأت علاماته تظهر على جسمي وللتو .. ولما يستيقن المرء من أن الموت هو قد لحق به ، وصار يهز بجناحيه عند رأسه ، وهي ترفرف خفاقة ، وتصفق أطراف الهواء ، وتعجن ألوان أفكاري بضروب من القيح الذهني .. ذلك أنّي آنست ناراً لعلي آتي نفسي أول ما آتي بقبس منها ، ثُمّ أدفع به إلى أهلي وعشيرتي. لأ نّه لا يمكن أن أمنحهم نفحة من هذا القبس حتّى أعتنق عقيدة الإنسياق وراء أضوائه ، لتشع بعد ذلك فيوضه على جنبات وجهي ، وتشمل فوديّ ، وتطبع صدغيّ بلمسات إنارة مصحوبة بفنون كُلّ الإنعكاسات .. فليس لي أن أدعو أهلي إلى التشيع ، وأنا ما زلت أكابد حرّ أوجاع أفكاره ، وكيف صار لها أن تنادمني كُلّ ليلة ، وتقارع أهوائي ، وتخلد إلى كُلّ ما يخلد إليه فكري ، وصارت تؤانسني ، وتلح علي بالكلام ، وبالضبط بعد أن شعرت أنّ قاسماً قد تغيّر ، ليس هو قاسم الأمس الذي كنت أعرف. وما كنت لأعني أنّه انقلب تنيناً إلاّ أن قاسماً الذي كنت أعرف ، كان يتهجم على الشيعة ، وذلك عندما تتيح له الفرصة مثل ذلك ، حينما يطرق سمعه حديث عنهم أو مقالة تتقصد البحث في معتقداتهم وأئمتهم! بينما كان قاسم الذي كنت أعرف ، يعمل على مطاردة أخبار الشيعة ، ويتسقط ألوان حكاياهم ، ويتندر على فعالهم ، ويتعقب أحداثهم بلهجات ملؤها السخرية ، حتّى كان يعبّ منها دائماً ، بل ظل يسقيني من زعافها الحرّيف حتّى أثملني حد الشبع ، وبلغ بي عنفوان التخمة. فإذا ما زايلني وأنا على هذا الوضع وهذه الحال ، فإذا به يفجأني في ظهيرة أحد الأيام ، حينما رأيته مستبشراً ، واضح الأسارير ، منبلج المحيا ، وقد سيطر عليه شعور هو أشبه بشعور من قد عانق أعمدة السجون ، وصارع نوافذها المعقضبة حتّى غامر في إختراق الجدر