مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - نووي الجاوي، الشيخ محمد بن عمر - الصفحة ٩٥
أي هي معمولة لمحذوف يدل عليه ذلك ، أي يستمر كفار مكة على الوصف المذكور ، حتى إذا جاء أحدهم وظهرت له أحوال الآخرة قال : رب ، ردني إلى الدنيا لكي أعمل صالحا فيما قصرت في الإيمان ، وفي العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وقوله : (ارْجِعُونِ) خطاب لله ، وجمع الضمير تعظيما لله أو لتكرير قوله : «ارجعني» كأنه قال ارجعني ، ارجعني ، ارجعني ثلاث مرات كما قالوا في قوله : (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ) [ق : ٢٤] أنه بمعنى ألق ، ألق ، فثني الفعل للدلالة على ذلك. وقوله : (رَبِ) منادى. وقيل : الخطاب للملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة ، ورب للقسم ، فكأنه عند معاينة مقعده من النار وملك الموت وأعوانه قال : بحق الرب ارجعون إلى الدنيا لكي أصلح ما أفسدت ، وأطيع في كل ما عصيت ، ومكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيما خلفت من المال كما قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعند ذلك يقول : رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» [١]. أي لكي أصير عند الرجعة مؤديا لحق الله تعالى فيما تركت التركة. (كَلَّا) أي لا يرد إلى الدنيا. وهذا كالجواب لهم في المنع مما طلبوا.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال لعائشة رضياللهعنها : «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى دار الدنيا. فيقول : إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوما على الله تعالى. وأما الكافر فيقال له : نرجعك فيقول : ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب ، إلى جمع المال ، أو غرس الغراس ، أو بناء البنيان ، أو شق الأنهار؟ فيقول : لعلي أعمل صالحا فيما تركت. فيقول الجبار كلا» [٢]. (إِنَّها) أي قوله : (رَبِّ ارْجِعُونِ) إلى آخره (كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها) لا محالة لتسلط الحسرة عليه ، ولكنها لا تفيده. (وَمِنْ وَرائِهِمْ) أي أمامهم (بَرْزَخٌ) أي حائل مانع لهم عن الرجوع إلى الدنيا ، وهو مدة بين الموت والبعث وذلك قوله تعالى : (إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١٠٠) من قبورهم (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ) لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي يقع عندها البعث (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) أي فلا يتفاخرون بأنسابهم ، ويتراحمون بها في ذلك اليوم (وَلا يَتَساءَلُونَ) (١٠١) عنها لاشتغال كل منهم بنفسه.
قال ابن مسعود رضياللهعنه : يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد إلا أن هذا فلان ، فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها ، أو أبيها ، أو أخيها ، أو ابنها ، أو زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. وعن قتادة : لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يراه من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء.
[١] رواه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (١٠ : ٤٠٤).
[٢] رواه أحمد في (م ١ / ص ٣٤).