مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - نووي الجاوي، الشيخ محمد بن عمر - الصفحة ٢١٦
وكان في الآخرة باقيا على ما ينبغي ، (وَلُوطاً) أي وأرسلنا لوطا إلى قومه (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) أي اللواطة ، (ما سَبَقَكُمْ بِها) أي بتلك الفاحشة (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (٢٨) كلهم من الإنس والجن ، (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ) أي أدبار الرجال ، (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) أي سبيل الولد بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث ـ ويقال : وتقطعون على من مر بكم من الغرباء ـ (وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)! أي وتعملون في مجلسكم الجامع لأصحابكم المنكر : كالجماع ، والضراط ، وحل الإزار ، والحذف بالبندق ، ومضغ العلك والفرقعة.
قيل : إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان يأخذ ما معه ويلوطه ، ويغرمه ثلاثة دراهم قاض بذلك. (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٢٩) في قولك : بمجيء عذاب الله علينا إن لم نؤمن ، أي إن لوطا كان مداوما على إرشاد قومه فقالوا أولا استهزاء : ائتنا بعذاب الله. ثم لمّا كثر منه ذلك ولم يسكت عن فعلهم قالوا : أخرجوا آل لوط من قريتكم. ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (٣٠) أي بإنزال العذاب على هؤلاء المفسدين ـ وهم الذين ابتدعوا الفاحشة وأصروها ، واستعجلوا العذاب بطريق الاستهزاء ـ (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) أي لما جاء جبريل ومن معه من الملائكة إلى إبراهيم بالبشارة بالولد والنافلة (قالُوا) لإبراهيم : (إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) ـ أي قرية سذوم ـ (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) (٣١) بإصرارهم على أنواع المعاصي. (قالَ) إبراهيم : (إِنَّ فِيها) أي في تلك القرى (لُوطاً) فكيف تهلكونها؟ (قالُوا) أي الرسل من الملائكة : (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) أي من لوط وغيره (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ) ابنتيه زاعورا ورينا (إِلَّا امْرَأَتَهُ) المنافقة واعلة [١] (كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) (٣٢) أي من المنغمسين في العذاب بسبب أن للدال على الشر نصيبا كفاعله ، وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط (وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ) أي جاءه ما أحزنه بمجيئهم على صورة البشر بأحسن صورة خلق الله فخاف عليهم من قومه ، (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أي ضاق بتدبير أمرهم طاقته ، وعجز عن مدافعة قومه ، (وَقالُوا) للوط : (لا تَخَفْ) علينا (وَلا تَحْزَنْ) لأجلنا فإنا ملائكة ، (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) مما يصيبهم من العذاب. ونصب «أهلك» معطوف على محل الكاف (إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) (٣٣) أي من الباقين في الهلاك ومن الرائحين الماضي ذكرهم ، (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) هي سذوم (رِجْزاً) أي عذابا مزعجا (مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (٣٤) أي بسبب فسقهم المستمر.
[١] رواه ابن كثير في البداية والنهاية (٢ : ١٣٣).