مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - نووي الجاوي، الشيخ محمد بن عمر - الصفحة ٦١٠
تُكَذِّبُونَ) يا معشر قريش (بِالدِّينِ) (٩) ، أي بالجزاء على الأعمال ، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) (١٠) حال من فاعل تكذبون ، أي تكذبون بالجزاء والحال أن عليكم من قبلنا لحافظين لأعمالكم ، (كِراماً) عندنا (كاتِبِينَ) (١١) لهذه الأعمال في الصحف ، كما تكتب الشهود منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التقويم ، (يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١٢) من الأفعال ، قليلا وكثيرا ، ويضبطونه نقيرا وقطميرا لتجازوا بذلك ، (إِنَّ الْأَبْرارَ) أي الصادقين في إيمانهم (لَفِي نَعِيمٍ) (١٣) ، أي لفي جنة دائم نعيمها ، (وَإِنَّ الْفُجَّارَ) أي الكافرين المكذبين بيوم الدين (لَفِي جَحِيمٍ) (١٤) أي في نار عظيمة ، (يَصْلَوْنَها) أي يدخلونها (يَوْمَ الدِّينِ) (١٥) أي يوم الحساب ، (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) (١٦) طرفة عين حتى قبل الدخول فيها فإنهم يجدون سمومها في قبورهم كما قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» [١]. (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) (١٨) أي أيّ شيء عجيب هو في الهول والفظاعة جعلك داريا يوم الدين ، و «ما» الاستفهامية خبر لـ «يوم الدين» ، فإن مدار الإفادة هو الخبر ، (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع «يوم» وقرأ أبو عمرو في رواية «يوم» مرفوعا منونا على جعل الجملة بعده نعتا له ، والعائد محذوف أي لا تملك فيه. وقرأ الباقون يوم بالفتح ، وهي إما فتحة إعراب بإضمار اذكر ، أو فتحة بناء وإنما بني لإضافته للفعل ، وإن كان معربا على رأي الكوفيين ويكون خبرا لمبتدأ مضمر.
وقال أبو علي : إن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا فاترك على حالة الأكثرية ، ومما يقوى النصب قوله تعالى : (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ) [القارعة : ٢ ، ٣] وقوله تعالى : (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) [الذاريات : ١٢ ، ١٣].
قال الواحدي : والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا ، (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (١٩).
قال الواسطي : قوله : (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) إشارة إلى فناء غير الله تعالى وهناك تذهب الرسالات والكلمات. وقوله : (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) إشارة إلى أن البقاء لله والأمر كذلك في الأزل ، وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات.
[١] رواه السيوطي في الدر المنثور (٦ : ٣٢٥) ، بما معناه.