مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد - نووي الجاوي، الشيخ محمد بن عمر - الصفحة ٦١٢
عظيم» ويؤيده القراءة بالرفع والجر (كَلَّا) أي ارتدعوا عن التطفيف والغفلة عن ذكر البعث ، وعلى هذا المعنى يوقف على «كلا» أو «كلا» بمعنى حقا فلا يوقف عليه ، وكذا جميع ما يأتي من «كلا» في هذه السورة (إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (٧) ، أي إن كتابة أعمال الكفار لفي سجين ، وهو موضع في الأرض السابعة السفلى ، (وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) (٨) وهذا تعظيم لأمر سجين ، (كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٩) أي إن كتاب الفجار كتاب معلم فيعلم من رآه أنه لا خير فيه ، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (١١) أي الجزاء ، (وَما يُكَذِّبُ بِهِ) أي بذلك اليوم (إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ) أي متجاوز عن المنهج الحق ، (أَثِيمٍ) (١٢) أي مبالغ في ارتكاب الإثم (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا) أي القرآن (قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (١٣) ، أي هذه إخبار الأولين فإن محمدا أخذ عنهم لا من الله تعالى فينكر النبوة ، (كَلَّا) أي حقا (بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) أي ليس الأمر كما يقوله الكافر من أن ذلك أساطير الأولين ، بل غطى على قلوبهم أفعالهم الماضية من الكفر والمعاصي قال صلىاللهعليهوسلم : «إن العبد كلما أذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» [١]. (كَلَّا) أي حقا يا محمد (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥) أي إن المكذبين بيوم الدين لممنوعون يوم القيامة عن النظر إلى ربهم ، والمؤمنون لا يحجبون عن النظر إلى ربهم ، (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) (١٦) أي لداخلو النار العظيمة ، (ثُمَ) إذا دخلوها (يُقالُ) لهم من جهة الزبانية (هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (١٧) أي هذا العذاب هو الذي كنتم تكذبون به في الدنيا ، والآن قد عاينتموه فذوقوه ، (كَلَّا) أي لا تكذبوا البعث وكتاب الله أو حقا ، (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (١٨) أي إن كتابة أعمال الصادقين في إيمانهم لفي عليين ، (وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) (١٩) وهذا تنبيه له صلىاللهعليهوسلم على أنه معلوم له ، (كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٢٠) أي إن كتاب أعمالهم موضوع في عليين مكتوب في لوح من زبرجد أخضر ، معلق تحت عرش الرحمن ، (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) (٢١) أي يشهد الملائكة المقربون ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين كرامة للمؤمنين ، أو يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه ، (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) (٢٢) أي في جنة دائم نعيمها (عَلَى الْأَرائِكِ) أي الأسرة في الحجال ، (يَنْظُرُونَ) (٢٣) إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من أنواع النعيم والعذاب للكفار ، (تَعْرِفُ) يا من يتأتى منك المعرفة (فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (٢٤) أي بهجة التنعم ورونقه من النور والضحك.
وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحاق ، وشيبة ، وطلحة ، ويعقوب ، والزعفراني تعرف مبنيا للمفعول ورفع نضرة وعلي بن زيد كذلك إلا أنه قرأ «يعرف» بالياء التحتية ، (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ) أي شراب خالص (مَخْتُومٍ) (٢٥) ، أي يختم رأس قارورة ذلك الرحيق أوله ختام أي عاقبة
[١] رواه ابن ماجة في كتاب الزهد ، باب : مثل الدنيا ، ومسلم في كتاب الزهد ، باب : ١ ، وأحمد في (م ٢ / ص ١٩٧).