تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٦
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: ٢٠] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، يَعْرِفُونَ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا جَمَاعَةَ الْآلِهَةِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ مَبْعُوثٌ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: ١٢] مِنْ نَعْتِ (الَّذِينَ) الْأُولَى، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: ١٢] أَهْلَكُوهَا وَأَلْقَوْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِإِنْكَارِهِمْ مُحَمَّدًا أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ، وَهُمْ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ عَارِفُونَ، {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: ١٢] يَقُولُ: فَهُمْ بِخَسَارَتِهِمْ بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى خَسَارَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ: أَنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمُنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ لِأَهْلِ النَّارِ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ خُسْرَانُ الْخَاسِرِينَ مِنْهُمْ لِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ، بِمَا فَرُطَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ وَظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: ١١] . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: ١٤٦] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ