تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤١٣
أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيته في ذلك، على علم منه بذلك منكم، أمركم ونهاكم [١] ="حكيمًا" يعني: حكيمًا في أمره إياكم بما أمركم به، وفي نهيه إياكم عما نهاكم عنه، وفي غير ذلك من تدبيره فيكم وفي غيركم من خلقه. [٢]
* * *
واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله نصب قوله:"خيرًا لكم".
فقال بعض نحويي الكوفة: نصب"خيرًا" على الخروج مما قبله من الكلام، [٣] لأن ما قبله من الكلام قد تمَّ، وذلك قوله:"فآمنوا". وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك في كل خبر كان تامًّا، ثم اتصل به كلام بعد تمامه، على نحو اتصال"خير" بما قبله. فتقول:"لتقومن خيرًا لك" و"لو فعلت ذلك خيرًا لك"، و"اتق الله خيرًا لك". قال: وأما إذا كان الكلام ناقصًا، فلا يكون إلا بالرفع، كقولك:"إن تتق الله خير لك"، و (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [سورة النساء: ٢٥] .
* * *
وقال آخر منهم: جاء النصب في"خير"، لأن أصل الكلام: فآمنوا هو خيرٌ لكم، فلما سقط"هو"، الذي [هو كناية] ومصدرٌ، [٤] اتّصل الكلام بما قبله، والذي قبله معرفة، و"خير" نكرة، فانتصب لاتصاله بالمعرفة لأن الإضمار من الفعل"قم فالقيام خير لك"، [٥] و"لا تقم فترك القيام خير لك". فلما سقط اتصل
[١] في المطبوعة: "وعلى علم ... " بزيادة الواو، وأثبت ما في المخطوطة.
[٢] انظر تفسير"عليم" و"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
[٣] انظر"الخروج" فيما سلف من فهارس المصطلحات.
[٤] في المطبوعة: "الذي هو مصدر"، وفي المخطوطة"الذي مصدر"، ورجحت أن الصواب ما أثبت، لأن تأويل الكلام، على مذهبه هذا: فالإيمان خير لكم، فالضمير"هو" كناية عن"الإيمان"، وهو مصدر.
[٥] أخشى أن يكون سقط قبل قوله: "لأن الإضمار من الفعل: "قم فالقيام خير لك ... " إلى آخر الكلام، ما يصلح أن يكون هذا تابعًا له، كأنه ضرب مثلين هما: "قم خير لك" و"لا تقم خير لك". ومع ذلك فقد تركت الكلام على حاله، ووضعت بينه نقطًا للدلالة على ذلك....