تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤٦٩
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْهَاوِيَةُ: النَّارُ، هِيَ أُمَّهُ وَمَأْوَاهُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا وَيَأْوِي إِلَيْهَا، وَقَرَأَ: {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [آلِ عِمْرَانَ: ١٥١] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ النَّارُ، وَهِيَ مَأْوَاهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُفَسِّرًا لِلْهَاوِيَةِ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ}
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْمَى قَالَ: إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ ذُهِبَ بِرُوحِهِ إِلَى أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُونَ: رَوِّحُوا أَخَاكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمّ الدُّنْيَا. قَالَ: وَيَسْأَلُونَهُ: وَمَا فَعَلَ فُلَانٌ [١] ؟ فَيَقُولُ: مَاتَ، أو ما جَاءَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ [٢]
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَويّه مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا، بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا. وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي كِتَابِ صِفَةِ النَّارِ، أَجَارَنَا [٣] اللَّهُ مِنْهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ [٤] .
وَقَوْلُهُ: {نَارٌ حَامِيَةٌ} أَيْ: حَارَّةٌ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، قَوِيَّةُ اللَّهِيبِ وَالسَّعِيرِ.
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُوقدون جزء من سبعين جزء مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. فَقَالَ: "إِنَّهَا فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزءًا" [٥] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عن قُتيبة، عن المغيرة ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّناد، بِهِ [٦] وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: "أَنَّهَا فُضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ-سَمِعَ [٧] أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُوقِدُونَ، جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ". فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. فَقَالَ: "لَقَدْ فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا حَرًّا فَحَرًّا" [٨] .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ على شرط مسلم.
[١] في م، أ: "بفلان".
[٢] تفسير الطبري (٣٠/١٨٢) .
[٣] في أ: "أعاذنا".
[٤] قال السيوطي في الدر المنثور (٨/٦٠٦) : "وأخرج ابن مردويه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات المؤمن تلقته أرواح المؤمنين يسألونه: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فإن كان مات ولم يأتهم قالوا: خولف به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية حتى يقولوا: ما فعل فلان هل تزوج؟ ما فعلت فلانة هل تزوجت؟ فيقولون: دعوه فيستريح فقد خرج من كرب الدنيا".
[٥] الموطأ برواية الزهري برقم (٢٠٩٨) وهو في رواية يحيى (٢/٩٩٤) .
[٦] صحيح البخاري برقم (٣٢٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٤٣) .
[٧] في م، أ: "سمعت".
[٨] المسند (٢/٤٦٧) .