تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٩٤
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا نَزَّلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَنْزِيلًا {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أَيْ: كَمَا أكرمتُكَ بِمَا أنزلتُ عَلَيْكَ، فَاصْبِرْ عَلَى قَضَائِهِ وقَدَره، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُدَبرك بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أَيْ: لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنْ أَرَادُوا صَدّك عَمًّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [١] بَلْ بَلّغ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فَالْآثِمُ هُوَ الْفَاجِرُ فِي أَفْعَالِهِ، وَالْكَفُورُ هُوَ الْكَافِرُ بِقَلْبِهِ.
{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا} أَيْ: أولَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ.
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا} كَقَوْلِهِ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] وَكَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [الْمُزَّمِّلِ: ١-٤] .
ثُمَّ قَالَ: مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ فِي حُبّ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِانْصِبَابِ إِلَيْهَا، وَتَرْكِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ: {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا} يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي خَلْقَهم. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا} أَيْ: وَإِذَا شِئْنَا بَعَثْنَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وبَدلناهم فَأَعَدْنَاهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْبُدَاءَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا} [أَيْ] [٢] : وَإِذَا شِئْنَا أَتَيْنَا بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ [٣] قَدِيرًا} [النِّسَاءِ: ١٣٣] وَكَقَوْلِهِ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠، وَفَاطِرٍ ١٦، ١٧] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ هَذِهِ} يَعْنِي: هَذِهِ السُّورَةَ {تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا} أَيْ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا، أَيْ: مَنْ شَاءَ اهْتَدَى بِالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء: ٣٩] .
[١] في أ: "عليك".
[٢] زيادة من م.
[٣] في أ: "وكان الله على كل شيء" وهو خطأ.