تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤١٤
رَسُولُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْيَقِينِ.
{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} أَيْ: أَشْقَى الْقَبِيلَةِ، هُوَ قُدَار بْنُ سَالِفٍ عاقرُ النَّاقَةِ، وَهُوَ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ تَعَالَى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} [الْقَمَرِ: ٢٩] . وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ عَزِيزًا فِيهِمْ، شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، نَسِيبًا رَئِيسًا مُطَاعًا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ: " {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ، مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، وَمُسْلِمٌ فِي صِفَةِ النَّارِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِمَا [١] وَكَذَا ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [مِنْ طُرُقٍ] [٢] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهِ [٣] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيم [٤] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيم [٥] أَبِي يَزِيدَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلِيٍّ: "أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟ ". قَالَ: بَلَى: قَالَ: "رَجُلَانِ؛ أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَر النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذَا -يَعْنِي قَرنه-حَتَّى تَبْتَلَّ مِنْهُ هَذِهِ" يَعْنِي: لِحْيَتَهُ [٦] .
وَقَوْلُهُ: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ} يَعْنِي: صَالِحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ: {نَاقَةُ اللَّهِ} أَيِ: احْذَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ أَنْ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، {وَسُقْيَاهَا} أَيْ: لَا تَعْتَدُوا عَلَيْهَا فِي سُقْيَاهَا، فَإِنَّ لَهَا شِرْبُ يَوْمٍ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. قَالَ اللَّهُ: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} أَيْ: كَذَّبُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ أَنْ عَقَرُوا النَّاقَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنَ الصَّخْرَةِ آيَةً لَهُمْ وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ، {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ} أَيْ: غَضِبَ عَلَيْهِمْ، فَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ، {فَسَوَّاهَا} أَيْ: فَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ نَازِلَةً عَلَيْهِمْ عَلَى السَّوَاءِ.
قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ أُحَيْمِرَ ثَمُودَ لَمْ يَعْقِرِ النَّاقَةَ حَتَّى تَابَعَهُ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا اشْتَرَكَ الْقَوْمُ فِي عَقْرِهَا دَمْدَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ [٧] فَسَوَّاهَا.
وَقَوْلُهُ: {وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} وقرئ: "فلا يخاف عقباها".
[١] في م: "من سننيهما".
[٢] زيادة من م.
[٣] المسند (٤/١٧) وصحيح البخاري برقم (٤٩٤٢) وصحيح مسلم برقم (٢٨٥٥) وسنن الترمذي برقم (٣٣٤٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٧٥) وتفسير الطبري (٣٠/١٣٧) .
[٤] في أ: "خيثم".
[٥] في أ: "خيثم".
[٦] ورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/٧١) عن إبراهيم بن موسى به، ورواه أبو نعيم في الدلائل (ص ٤٨٥) من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق به، وقال البخاري: "هذا إسناد لا يعرف سماع يزيد من محمد ولا محمد بن كعب من ابن خثيم ولا ابن خثيم من عمار".
[٧] في م، أ: "بذنبهم".