تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٦٢
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع".
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ [١] وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [٢] بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [٣] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] [٤] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت [٥] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] [٦] وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [٧] .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ [٨] البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] [٩] سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [١٠] .
فَقَوْلُهُ {قُمْ فَأَنْذِرْ} أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ.
{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أَيْ: عَظِّمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}
[١] صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) .
[٢] في م: "الذي كان".
[٣] في أ: "ابن هشام".
[٤] زيادة من م، أ، والمسند.
[٥] في م: "فجثيت".
[٦] زيادة من المسند.
[٧] المسند (٣/٣٢٥) ، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦) ، وصحيح مسلم برقم (١٦١) .
[٨] في أ: الحسن بن بشير".
[٩] زيادة من م.
[١٠] المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) : "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".