تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٨٥
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَبِيبٍ [١] زَيْدُ بْنُ الْمُهْتَدِي الْمَرُّوذِيُّ [٢] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّل بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صَبِيح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ وَالْحُوتُ، قَالَ لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ، قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". ثُمَّ قَرَأَ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فَالنُّونُ: الْحُوتُ. وَالْقَلَمُ: الْقَلَمُ [٣] .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرة: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ "النُّونَ" وَهِيَ: الدَّوَاةُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا يَكُونُ -أَوْ: مَا هُوَ كَائِنٌ-مِنْ عَمَلٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَثَرٍ أَوْ أَجَلٍ. فَكَتَبَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ وَقَالَ: وَعِزَّتِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلَأَنْقُصَنَّكَ مِمَّنْ أَبْغَضْتُ" [٤] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: النُّونُ: الْحُوتُ [الْعَظِيمُ] [٥] الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْحُوتِ صَخْرَةً سمكها كغلظ السموات وَالْأَرْضِ، وَعَلَى ظَهْرِهَا ثَوْرٌ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ قَرْنٍ، وَعَلَى مَتْنِهِ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ [٦] فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنَ الْعَجِيبِ [٧] أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا حُمَيد، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بَلَغه مَقْدَم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، قَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ؟ وَالْوَلَدُ يَنْزِعُ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا". قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحشرهم [٨] مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَأَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زيادةُ كَبِدِ حُوتٍ. وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ".
[١] في أ: "أبو صهيب".
[٢] في أ: "المهدى".
[٣] المعجم الكبير (١١/٤٣٣) وقال: "لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل". ومؤمل كثير الخطأ، فلعله أخطأ في رفعه.
[٤] تاريخ دمشق (١٧/٤٩٢ "المخطوط") ورواه الحكيم الترمذي كما في إتحاف السادة المتقين (١/٤٥٤) من طريق يحيى الغساني، عن أبي عبد الله، عن أبي صالح، به. ورواه ابن عدي في الكامل (٦/٢٦٩) من طريق محمد بن وهب، عن مسلم، عن مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بنحوه، قال: "هذا بهذا الإسناد باطل منكر" وآفته محمد بن وهب. قال الذهبي في الميزان: "صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل".
[٥] زيادة من م.
[٦] معالم التنزيل (٨/١٨٦) وهذا من الإسرائيليات كما ذكر ذلك الشيخ محمد أبو شهبة في كتابه: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص٣٠٥) وقال الإمام ابن القيم في المنار المنيف (ص٧٦) في ذكر علامات الوضع: "أن يكون الحديث مما تشهد الشواهد الصحيحة على بطلانه، ومن هذا حديث: "إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة" والعجب من مسود كتبه بهذه الهذيانات". أ. هـ.
[٧] في أ: "ومن العجب".
[٨] في أ: "تحشر الناس".