تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤٨٦
بِنُفُوذِ قَدَرِهِ فِيهِمْ، فَقَالَ: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ} أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَا نَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ بِثَانِيَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي نَأْمُرُ بِهِ حَاصِلًا مَوْجُودًا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [١] ، لَا يَتَأَخَّرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
إذَا مَا أرَادَ اللَّهُ أمْرًا فَإِنَّما ... يقُولُ لهُ: كُنْ، قَوَلةً [٢] فَيَكُونُ ...
وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ} يَعْنِي: أَمْثَالَكُمْ وَسَلَفَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} أَيْ: فَهَلْ مِنْ مُتَّعِظٍ بِمَا أَخْزَى اللَّهُ أُولَئِكَ، وَقَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، كَمَا قَالَ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سَبَأٍ: ٥٤] .
وَقَوْلُهُ: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} أَيْ: مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} أَيْ: مِنْ أَعْمَالِهِمْ {مُسْتَطَرٌ} أَيْ: مَجْمُوعٌ عَلَيْهِمْ، وَمُسَطَّرٌ فِي صَحَائِفِهِمْ، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ -وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا-عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ ومُحَقِّرات الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ الْمَدَنِيِّ [٣] . وَثَّقَهُ [٤] أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ [٥] ، ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَامِرَ بْنَ هِشَامٍ فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ يَا سَعِيدُ بْنَ مُسْلِمٍ! لَقَدْ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ عَمِلَ ذَنْبًا فَاسْتَصْغَرَهُ، فَأَتَاهُ آتٍ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْمَانُ:
لَا تَحْقِرنَّ مِنَ الذنوبِ صَغِيرا ... إِنَّ الصَّغير غَدًا يَعُودُ [٦] كَبِيرَا ...
إِنَّ الصَّغِيرَ وَلَوْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ... عِنْدَ الْإِلَهِ مُسَطَّرٌ تَسْطِيرَا ...
فَازْجُرْ هَوَاكَ عَنِ الْبَطَالَةِ لَا تَكُنْ ... صَعْبَ الْقِيَادِ وَشَمِّرَنْ [٧] تَشْمِيرَا ...
إِنَّ المُحِبَّ إِذَا أَحَبَّ إلههُ ... طَارَ الْفُؤَادُ وأُلْهِم التَّفْكِيرَا ...
فَاسْأَلْ هِدَايَتَكَ الْإِلَهَ بِنِيَّة ... فَكَفَى بِرَبّكَ هَادِيًا وَنَصِيرَا [٨]
[١] في م: "كلمح البصر".
[٢] في أ: "في الوجود".
[٣] المسند (٦/١٥١) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٤٣) .
[٤] في أ: "الذي وثقه".
[٥] تاريخ دمشق (٧/٣٥٣ "المخطوط") من طريق أبي عامر العقدي والقعنبي، كلاهما عن سعيد بن مسلم به.
[٦] في أ: "يكون".
[٧] في م: "وشمر".
[٨] تاريخ دمشق (٧/٣٥٣ "القسم المخطوط") .