تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٢٢٠
وَقُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ.
{وَالَّذِي نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ} أَيْ: بِحَسَبِ الْكِفَايَةِ لِزُرُوعِكُمْ [١] وَثِمَارِكُمْ وَشُرْبِكُمْ، لِأَنْفُسِكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ. وَقَوْلُهُ: {فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} أَيْ: أَرْضًا مَيْتَةً، فَلَمَّا جَاءَهَا الْمَاءُ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
ثُمَّ نَبَّهَ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ الْمَعَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَقَالَ: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}
ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا} أَيْ: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، مِنْ نَبَاتٍ وَزُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَأَزَاهِيرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [أَيْ] [٢] مِنَ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَصْنَافِهَا، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ} أَيِ: السُّفُنِ {وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} أَيْ: ذَلَّلَهَا لَكُمْ وَسَخَّرَهَا وَيَسَّرَهَا لِأَكْلِكُمْ لُحُومَهَا، وَشُرْبِكُمْ أَلْبَانَهَا وَرُكُوبِكُمْ ظُهُورَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [٣] أَيْ: لِتَسْتَوُوا [٤] مُتَمَكِّنِينَ مُرْتَفِقِينَ {عَلَى ظُهُورِهِ} أَيْ: عَلَى ظُهُورِ هَذَا الْجِنْسِ، {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} أَيْ: فِيمَا سَخَّرَ لَكُمْ {إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أَيْ: مُقَاوِمِينَ. وَلَوْلَا تَسْخِيرُ [٥] اللَّهِ لَنَا هَذَا مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [٦] ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ: {مُقْرِنِينَ} أَيْ: مُطِيقِينَ. [٧]
{وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} أَيْ: لَصَائِرُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَمَاتِنَا، وَإِلَيْهِ سَيْرُنَا الْأَكْبَرُ. وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِسَيْرِ الدُّنْيَا عَلَى سَيْرِ الْآخِرَةِ، كَمَا نَبَّهَ بِالزَّادِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى [الزَّادِ] [٨] الْأُخْرَوِيِّ فِي قَوْلِهِ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [الْبَقَرَةِ: ١٩٧] وَبِاللِّبَاسِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى الْأُخْرَوِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ] } [الْأَعْرَافِ: ٢٦] .
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عِنْدَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ:
حَدِيثُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أُتِيَ [٩] بِدَابَّةٍ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكاب قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ أَيْ شَيْءٍ ضَحِكْتَ [١٠] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ [١١] ، ثُمَّ ضَحِكَ. فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "يَعْجَبُ الرَّبُّ [١٢] مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي. وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي".
[١] في ت، م: "لزرعكم".
[٢] زيادة من ت.
[٣] في ت: "ظهره".
[٤] في أ: "لتستقروا".
[٥] في م: "ولولا ما يسخر".
[٦] في أ: "عياض".
[٧] في أ: "مطيعين".
[٨] زيادة من ت، م، أ.
[٩] في ت: "أنه أتى".
[١٠] في ت، م: "مم ضحكت".
[١١] في ت، م، أ: "فعل مثل ما فعلت".
[١٢] في ت، م: "الرب عز وجل".