تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤٣٠
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ؛ لِئَلَّا [١] يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا. قَالَهُ [٢] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي مُسْنَدِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا [٣] الْعَوَّامُ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ [٤] عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [٥] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ-عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مُرَابِطٌ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً لِحَرَسِي [٦] لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ غَيْرِي، فَأَتَيْتُ الْمِينَاءَ فَصَعِدْتُ، فَجَعَلَ يُخَيَّلُ إليَّ أَنَّ الْبَحْرَ يُشْرِفُ يُحَاذِي رُءُوسَ الْجِبَالِ، فُعِلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ، فَلَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ [٧] .
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} : هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، أَيِ: الْوَاقِعُ [٨] بِالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} أَيْ: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنْ صَالِحٌ الْمُرْيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ [٩] زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ يَعِسّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي، فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ: {وَالطُّورِ} حَتَّى بَلَغَ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} قَالَ: قَسَمٌ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ-حَقٌّ. فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنْزِلِهِ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [١٠] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} [١١] ، فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا [١٢] .
وَقَوْلُهُ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ: تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ تَشَقُّقُهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَدُورُ دَوْرًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتِدَارَتُهَا وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في
[١] في م: "لا".
[٢] في م: "وقال".
[٣] في م: "بن".
[٤] في م: "ينفضح".
[٥] المسند (١/٤٣) ورواه من طريق ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/٥٢) وقال: "العوام ضعيف، والشيخ مجهول".
[٦] في م: "لمحرثي".
[٧] وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦٠٨) من رواية الإسماعيلي، وقال: "فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بحاله".
[٨] في م: "واقع".
[٩] في أ: "عن".
[١٠] وذكره المؤلف في مسند عمر (٢/٦٠٨) من رواية ابن أبي الدنيا وفي إسناده صالح المري، ووقع في مسند عمر "المدني" فإن كان المري فهو ضعيف.
[١١] زيادة من م.
[١٢] فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٦٤) .