تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٦٩
يَأْمُرُونَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَمُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَرَأَوْا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِأَعْدَائِهِ مِنَ النِّقَمِ، وَمَا أَلْبَسَ [١] أَوْلِيَاءَهُ مِنَ النِّعَمِ، وَمَعَ هَذَا مَا آمَنُوا وَلَا صَدَّقُوا، بَلْ كَذَّبُوا وَجَحَدُوا، وَقَالُوا: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً} أَيْ: لَوْ أَرْسَلَ اللَّهُ رُسُلًا [٢] لَكَانُوا مَلَائِكَةً مِنْ عِنْدِهِ، {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أَيْ: أَيُّهَا الْبَشَرُ {كَافِرُونَ} أَيْ: لَا نَتَّبِعُكُمْ وَأَنْتُمْ بَشَرٌ مِثْلُنَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ [بِغَيْرِ الحَقٍّ] } [٣] أَيْ: بَغَوْا وَعَتَوْا وَعَصَوْا، {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} أَيْ: مَنُّوا بِشِدَّةِ تَرْكِيبِهِمْ وَقُوَاهُمْ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ! {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أَيْ: أَفَمَا يَتَفَكَّرُونَ [٤] فِيمَنْ يُبَارِزُونَ بِالْعَدَاوَةِ؟ فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَرَكَّبَ فِيهَا قُوَاهَا الْحَامِلَةَ لَهَا، وَإِنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] ، فَبَارَزُوا الْجَبَّارَ بِالْعَدَاوَةِ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ وَعَصَوْا رَسُولَهُ، فَلِهَذَا قَالَ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الشَّدِيدَةُ الْهُبُوبِ. وَقِيلَ: الْبَارِدَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي لَهَا صَوْتٌ.
وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُتَّصِفَةٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ رِيحًا شَدِيدَةً قَوِيَّةً؛ لِتَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا اغْتَرُّوا بِهِ مِنْ قُوَاهُمْ، وَكَانَتْ بَارِدَةً شَدِيدَةَ الْبَرْدِ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الْحَاقَّةِ:٦] ، أَيْ: بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَتْ ذَاتَ صَوْتٍ مُزْعِجٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّهْرُ الْمَشْهُورُ بِبِلَادِ الْمَشْرِقِ "صَرْصَرًا [٥] لِقُوَّةِ صَوْتِ جَرْيِهِ.
وَقَوْلُهُ: {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} أَيْ: مُتَتَابِعَاتٍ، {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الْحَاقَّةِ: ٧] ، كَقَوْلِهِ {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [الْقَمَرِ: ١٩] ، أَيِ: ابْتُدِئُوا بِهَذَا الْعَذَابِ فِي يَوْمِ نَحْسٍ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمَرَّ بِهِمْ هَذَا النَّحْسُ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَبَادَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَاتَّصَلَ بِهِمْ خِزْيُ الدُّنْيَا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى} [أَيْ] [٦] أَشَدُّ خِزْيًا لَهُمْ، {وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} أَيْ: فِي الْأُخْرَى [٧] ، كَمَا لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ يَقِيهِمُ الْعَذَابَ وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ النَّكَالَ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: بَيَّنَّا لَهُمْ [٨] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: دَعَوْنَاهُمْ.
{فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} أَيْ: بَصَّرْنَاهُمْ، وَبَيَّنَّا لَهُمْ، وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صَالِحٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [٩] ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، وَعَقَرُوا نَاقَةَ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا آيَةً وَعَلَامَةً عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِمْ، {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ} أَيْ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَرَجْفَةً وَذُلًّا وَهَوَانًا وَعَذَابًا وَنَكَالًا {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: من التكذيب والجحود.
[١] في س: "ألبس الله".
[٢] في ت: "رسولا".
[٣] زيادة من ت، أ.
[٤] في ت، س: "أفما يفكرون"، وفي أ: "فيما يتفكرون".
[٥] في ت، س: "صرصر".
[٦] زيادة من أ.
[٧] في ت: "الآخرة".
[٨] في ت: "وسعيد بن جبير وغيرهم".
[٩] في ت، س: "عليه السلام".