تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٢
السَّمَاءِ فَقَالَ: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} أَيْ: مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ، {فَنَادَوْا} أَيْ: [١] حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ اسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٢ [أَيْ: يَهْرَبُونَ، {لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} ] الْأَنْبِيَاءِ: ١٣ [
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} قَالَ: لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ، وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ [٢]
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ.
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ [٣] عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ [٤] ابْنِ عَبَّاسٍ: نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ:
تَذَكَّر لَيْلَى لاتَ حِينَ تذَكّر [٥] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} يَقُولُ: نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ.
وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ "لَاتَ" هِيَ "لَا" الَّتِي لِلنَّفْيِ، زِيدَتْ مَعَهَا "التَّاءُ" كَمَا تُزَادُ فِي "ثُمَّ" فَيَقُولُونَ: "ثُمَّتْ"، وَ "رُبَّ" فَيَقُولُونَ: "رُبَّتْ". وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ [ابْنُ جَرِيرٍ] [٦] أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ: "وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ". وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ "حِينَ" تَقْدِيرُهُ: وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ النَّصْبَ بِهَا، وَأَنْشَدَ:
تَذَكَّر حُب لَيْلَى لاتَ حِينَا ... وأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَع القَرينا [٧]
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بِهَا، وَأَنْشَدَ:
طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ ... فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ [٨]
[١] في ت: "إلى".
[٢] وقد رواه الطستي في مسائل نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس فذكره.
[٣] في أ: "بشير".
[٤] في ت: "سئل".
[٥] البيت للأعشى، وعجزه: وقد تبت عنها والمناص بعيد.
[٦] ما بين المعقوفتين بياض في س.
[٧] البيت في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .
[٨] البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في تفسير الطبري (٢٣/٧٧) .