تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤١٢
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} أَيْ: تِلْكَ إِعَادَةٌ سَهْلَةٌ عَلَيْنَا، يَسِيرَةٌ لَدَيْنَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [الْقَمَرِ: ٥٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لُقْمَانَ: ٢٨] .
وَقَوْلُهُ: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} أَيْ: نَحْنُ عِلْمُنَا مُحِيطٌ بِمَا يَقُولُ لَكَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ فَلَا يَهِيدَنَكَّ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [١] : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الْحِجْرِ: ٩٧ -٩٩] .
وَقَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أَيْ: وَلَسْتَ بِالَّذِي تُجْبِرُ هَؤُلَاءِ عَلَى الْهُدَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَا كُلِّفْتَ بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} أَيْ: لَا تَتَجَبَّرُ عَلَيْهِمْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوهُ لَقَالَ: وَلَا تَكُنْ جَبَّارًا عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} بِمَعْنَى: وَمَا أَنْتَ بِمُجْبِرِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ إِنَّمَا أَنْتَ مُبَلِّغٌ.
قَالَ الْفَرَّاءُ: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ: جَبَرَ فُلَانٌ فُلَانًا عَلَى كَذَا [٢] ، بِمَعْنَى أَجْبَرَهُ [٣] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} أَيْ: بَلِّغْ أَنْتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّمَا [٤] يَتَذَكَّرُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ وَوَعِيدَهُ وَيَرْجُو وَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [٥] : {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرَّعْدِ: ٤٠] ، وَقَوْلِهِ: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الْغَاشِيَةِ: ٢١، ٢٢] ، {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [الْبَقَرَةِ: ٢٧٢] ، {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [الْقِصَصِ: ٥٦] ، وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخَافُ وَعِيدَكَ، وَيَرْجُو مَوْعُودَكَ، يَا بَارُّ، يَا رَحِيمُ.
آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ (ق) ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[١] زيادة من م.
[٢] في م: "جبر فلان على فلان كذا".
[٣] انظر تفسير الطبري (٢٦/١١٥) .
[٤] في م: "فأما".
[٥] زيادة من م.