تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٣١٦
{وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [سَبَأٍ: ٥٢] .
وَقَوْلُهُ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} هَذَا إِخْبَارٌ: بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَتَأَتَّى [١] كَوْنُهُ آمِرًا بِعِلْمِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلي وَجِدِّي، وخَطَئي وعَمْدي، وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي" [٢] . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ" [٣] وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً" [٤]
وَقَالَ [٥] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: سَمِعْتُ [٦] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْجِسَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْتُ مَعَهُ مِنْ طَعَامِهِ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْتُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ [٧] ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، وَلَكُمْ"، وَقَرَأَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى نُغْض كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ -أَوْ: كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ شُعْبَةُ الَّذِي شَكَّ-فَإِذَا هُوَ كَهَيْئَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ الثَّآلِيلُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ [٨] ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، بِهِ [٩] .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُحَرَّز بْنُ عَوْنٍ [١٠] ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفُورِ، عَنْ أَبِي نَصِيرَة، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَأَكْثِرُوا مِنْهُمَا، فَإِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: أَهْلَكْتُ [١١] النَّاسَ بِالذُّنُوبِ، وَأَهْلَكُونِي بِـ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَالِاسْتِغْفَارِ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالْأَهْوَاءِ، فَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" [١٢] .
وَفِي الْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ: "قَالَ إِبْلِيسُ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَزَالُ أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي
[١] في أ: "إلا هو ولا ينافي".
[٢] صحيح البخاري برقم (٦٣٩٨) .
[٣] صحيح مسلم برقم (٧٦٩) .
[٤] صحيح البخاري برقم (٦٣٠٧) .
[٥] في ت: "وروى".
[٦] في ت: "عن".
[٧] في ت، م، أ: "استغفر لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
[٨] في ت: "والنسائي وابن ماجه".
[٩] المسند (٥/٨٢) وصحيح مسلم برقم (٢٣٤٦) والشمائل للترمذي برقم (٢٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٩٦) .
[١٠] في م: "محمد بن عوف" وفي هـ: "محمد بن عون". والتصويب من مسند أبي يعلى.
[١١] في م: "قال: إنما أهلكت".
[١٢] مسند أبي يعلى (١/١٢٣) ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٧) : "فيه عثمان بن مطر وهو ضعيف".