تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ١٢٩
وَإِذَا قُلْتَ: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} ، فَقُلْ: "يَا قَابِلَ التَّوْبِ، اقْبَلْ تَوْبَتِي". وَإِذَا قُلْتَ: {شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، فَقُلْ: "يَا شَدِيدَ الْعِقَابِ، لَا تُعَاقِبْنِي". قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ: مَرّ بِكُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ يَمَنِيَّةٌ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا فَكَانُوا يُرَون أَنَّهُ إِلْيَاسُ.
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ ثَابِتٍ، بِنَحْوِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِلْيَاسَ.
{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [٤] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [٥] وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [٦] }
يَقُولُ تَعَالَى: مَا يَدْفَعُ الْحَقَّ وَيُجَادِلُ فِيهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ {إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، {فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ} أَيْ: فِي أَمْوَالِهِمْ وَنَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا، كَمَا قَالَ: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٦،١٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لُقْمَانَ: ٢٤] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ [١] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، بِأَنَّ لَهُ أُسْوَةَ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَهُمْ [٢] أُمَمُهُمْ وَخَالَفُوهُمْ، وَمَا آمَنَ بِهِمْ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [٣] ، فَقَالَ: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} وَهُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثه اللَّهُ يَنْهَى عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، {وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ} أَيْ: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ، {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أَيْ: حَرَصُوا عَلَى قَتْلِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ رَسُولَهُ [٤] ، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} أَيْ: مَاحَلُوا بِالشُّبْهَةِ [٥] لِيَرُدُّوا الْحَقَّ الْوَاضِحَ الْجَلِيَّ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ أَبُو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر ابن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ حَنَش، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [٦] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [٧] ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مِنْ أَعَانَ بَاطِلًا لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ" [٨] .
وَقَوْلُهُ: {فَأَخَذْتُهُمْ} أَيْ: أَهْلَكَتْهُمْ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ هَذِهِ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ الْعِظَامِ، {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أَيْ: فَكَيْفَ بَلَغَكَ عَذَابِي لَهُمْ، وَنَكَالِي بِهِمْ؟ قَدْ كَانَ شَدِيدًا مُوجِعًا مُؤْلِمًا.
قَالَ قتادة: كان والله شديدًا.
[١] في ت: "لرسوله".
[٢] في س، أ: "كذبتهم".
[٣] في ت، س: "القليل".
[٤] في ت، س، أ: "رسولهم".
[٥] في ت، أ: "ما جاءوا به من الشبهة".
[٦] في ت: "وقد روى الطبراني بإسناده".
[٧] زيادة من أ.
[٨] المعجم الكبير (١١/٢١٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٠٠) من طريق علي بن عبد العزيز به موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله: "فيه حنش الرحبي وهو ضعيف".