الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - السمين الحلبي - الصفحة ٢٣٤
قولُه تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ} : مفعولُ «كُلوا» محذوفٌ، أي: كُلوا رزقَكم. وفي «مِنْ» حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ لابتداءِ الغايةِ فتتعلَّقَ ب «كلوا» . والثاني: أَنْ تكونَ تبعيضيَّة فتتعلَّق بمحذوفٍ إذ هي حالٌ من ذلك المفعولِ المقدَّرِ، أي: كُلوا رزقَكم حالَ كونِهِ بعضَ طيباتِ ما رزقناكم. ويجوزُ في رأيِ الأخفش أن تكونَ «مِنْ» زائدةً في
٨١٤ - حَراجِيجُ لا تَنْفَكُّ إلا مُنَاخَةً ... على الخَسْفِ أو نَرْمِي بها بلدا قَفْرَا
فقد ردَّ الناسُ عليه، ولم يقبلوا قوله. وفي البيت كلامٌ تقدَّم.
وأوردَ بعضهم هنا سؤالاً معنوياً: وهو قولهُ: {لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} ليس المسموعُ إلا الدعاءَ والنداءَ فكيف ذَمَّهم بأنهم لا يَسْمَعُون إلا الدعاء، وكأنَّه قيل: لا يَسْمَعُون إلا المسموعَ، وهذا لا يَجُوز؟ فالجوابُ أنَّ في الكلام إيجازاً، وإنما المعنى: لا تَفْهَمُ معانيَ ما يقال لهم، كما لا تُمَيِّز البهائِمُ بين معاني الألفاظِ التي يُصَوَّتُ بها، وإنما تَفْهَمُ شيئاً يسيراً قد أَدْرَكَتْه بطولِ الممارسةِ وكثرةِ المعاودةِ، فكأنه قيل: ليسَ لهم إلا سماعُ النداء دون إدراكِ المعاني والأغراضِ. وهذا السؤالُ من أصلِهِ ليس بشيءٍ، ولولا أنَّ الشيخَ ذكره لم أذكرْهُ.
وهنا سؤالٌ آخرُ: وهو هل هذا من بابِ التكرارِ لمَّا ختلفَ اللفظُ، فإنَّ الدعاءَ والنداءَ واحدةٌ؟ والجوابُ أنه ليس كذلك، فإنَّ الدعاءَ طلبُ الفعلِ والنداءَ إجابةُ الصوتِ. ذكر ذلك عليُّ بن عيسى.