الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٧٣
أحمق منه، وأقل عقلا من باقل [١] ، وقد رأيتم عدلي فيكم وإنصافي إياكم، فهاتوا ما عندكم. قال: فما أجابه أحد بشيء، قال: فغضب قتيبة لذلك ثم قال: يا أهل السافلة! ولا أقول: يا أهل العالية، وبني بكر بن باطل! ولا أقول: بكر بن وائل، ويا بني ذميم! ولا أقول: بني تميم، ويا أهل الشح والبخل بأي يوميكم تخوفونني أم بأي يوم تمنون عليّ! أبيوم حربكم أم بيوم سلمكم، وأنتم يا معشر الأزد تبدلتم بقلوس [٢] السفن أعنة الحصن [٣] ، وبالمرادى [٤] الرماح، وبالمجاذيف السيوف، وأنتم أعراب. وما الأعراب! ولعنة الله على الأعراب الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ٩: ٩٧ [٥] جمعتكم من منابت الشيح والقيصوم كما يجمع قزع [٦] الخريف بعد ركوبكم الأتن والبقر في جزيرة بني كاوان [٧] ، حتى إذا ملأتم أيديكم من غنائم الأعاجم وخدمتكم أبناء ملوك الترك والسغد قلتم كيت وكيت وذيت وذيت، أما والله لئن وليكم يزيد بن المهلب ليعصبنكم عصب النسعة [٨] وليقرعنكم قرع المروة.
قال: فسكت الناس فما أجابه أحد بشيء، فجعل يتمثل بهذا البيت:
إن امرأ ملك اليمامة كلها ... أعطى الملوك مقادة لم يضلل
قال: فنهض الناس وتفرقوا وهم غضاب من شتمه لهم وسوء مقالته فيهم.
ودخل قتيبة إلى رحله وأقبل إليه إخوته وأهل بيته فقالوا له: أيها الأمير! ماذا أتيت إلى الناس في هذا اليوم! والله ما قصرت عن أهل العالية وهم شعارك ودثارك، ثم تناولت بني بكر بن وائل وهم أنصارك، ثم لم ترض حتى تناولت بني تميم وهم إخوتك، ثم تناولت الأزد وهم يدك وجناحك، فقال قتيبة: لأني تكلمت فما أجابني أحد منهم بشيء، وقد مضى القوم فذروهم، إن أهل العالية كابل الصدقة جمعت من كل أوب، وبنو بكر أمة لا تمنع يد لامس، وتميم جمل أجرب، وعبد القيس ما
[١] يضرب المثل بعيه، وهو رجل من أياد (انظر مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٢٩) .
[٢] قلوس جمع قلس وهو حبل ضخم من ليف أو خوص.
[٣] الحصن جمع حصان.
[٤] المرادي واحدها المردي خشبة تدفع بها السفينة تكون في يد الملاح.
[٥] سورة التوبة الآية ٩٧.
[٦] القزع كل شيء يكون قطعا متفرقة.
[٧] هي جزيرة عظيمة وهي جزيرة لافت وهي من بحر فارس بين عمان والبحرين.
[٨] الطبري: عصب السلمة.