الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٦٩
سيدا في قومه، فقال له: ممن الرجل؟ فقال له: رجل من حمير من الأوزاع، وكان لزفر خؤولة من الأوزاع فقرّبه وأدناه، فأقام عنده مدة. ثم قال له ذات يوم: أيها الرجل! إني أرى لك حالا ليست كالأحوال، فإن كنت خائفا آمناك وإن كنت فقيرا أغنيناك [١] ! قال: فتبسم عمران ثم قال: الله المؤمن والله المغني: وإنما أنا ابن سبيل. قال: فبينا هو كذلك إذا أقبل رجل من عند روح بن زنباع إلى زفر بن الحارث في أمر من الأمور، فلما نظر إلى عمران بن حطان عرفه، فقال لزفر: هذا كان ضيفا لروح بن زنباع وهو رجل من الأزد، قال فنظر إليه زفر نظرة مغضب وقال: يا شيخ! أزدي مرة وأوزاعي أخرى! أو نبأتني عن شأنك وأمرك كان خيرا لك! وكأنه أسمعه كلاما. قال: فسكت عمران بن حطان ولم يقل شيئا، فلما كان الليل هرب على وجهه في البلاد، وكتب [٢] إلى زفر بهذه الأبيات:
إن التي أصبحت يعيي بها زفر ... أعيا عياها [٣] على روح بن زنباع
أنشأ يسائلني [٤] حولا لأخبره ... والناس من بين مخدوع وخدّاع
حتى إذا انجذمت مني حبائله ... كف السؤال ولم يولع بإهلاعي
فاكفف كما كف روح إنني رجل ... إما صريح [٥] وإما فقعة القاع
وازجر لسانك عن شتمي ومنقصتي ... ماذا تريدون من شيخ لأوزاع [٦]
إذا الصلاة فإنى لست تاركها ... كل امرئ للذي يسعى له ساعي
أكرم بروح بن زنباع وأسرته ... حتى دعا أوّليهم للعلى داعي
جاورته سنة فيما زعمت له [٧] ... عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فارتع فإنك منعيّ بحادثة ... حسب اللبيب بما يوعيه من واعي [٨]
[١] الكامل للمبرد: جبرناك.
[٢] الكامل للمبرد: وخلف في منزله رقعة فيها:
[٣] المبرد: أعيت عياء. وفي الأغاني ١٦/ ١٤٨ يعنى بها وفي شرح النهج ٥/ ٩٤ أعيت زمانا.
[٤] المبرد: ما زال يسألني، الأغاني: أمسى يسائلني.
[٥] الكامل: حميم. وفقعة القاع: الكمأة، يقال ذلك لمن لا أصل له.
[٦] البيت في الكامل للمبرد:
واكفف لسانك عن لومي ومسألتي ... ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع
[٧] الأغاني: فيما دعوت به.
[٨] في شرح النهج: «من داع» وفي المبرد: من ناعي.