الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٦٥
قال: فأمر به الحجاج فأطلق من قيده، وكساه وأحسن إليه وألحقه بعطائه.
قال: ثم قدمت إليه امرأة من نساء الخوارج وكانت من المتكلمات يقال لها أم علقمة، فقال لها الحجاج: يا عدوة الله! الحمد لله الذي قتل أباك وأخاك وزوجك، فقالت: نعم الحمد لله الذي قدمهم إلى الجنة وأخرني بعدهم، وقد علمت أنه لم يؤخرني إلا لذنب عظيم قد أتيته. فقال الحجاج: لأفعلن بك ولأفعلن! فقالت: ويلك يا حجاج! عليّ تبرق وترعد! والله لقد خفت الله خوفا جعلك في عيني أصغر من الذباب. قال: وجعلت أم علقمة تكلم الحجاج وهي منكسة الرأس، فقال لها الحجاج: ارفعي رأسك وانظري إليّ، فقالت: إني لأكره أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. قال: فأمر الحجاج بقتلها فكانت السيوف تأخذها وهي تقول: لا حكم إلا لله، حتى بردت.
قال: وكان آخر من قدم إليه رجل من هؤلاء الخوارج له شاهد وسمت وطلل، فلما همّ الحجاج بقتله سمع ضجة بالباب، فقال لحاجبه: ما هذه الضجة؟ فقال:
نسوة بالباب يسألن [١] الإذن على الأمير، فقال الحجاج: ائذن لهن بالدخول، فدخلن وهن ثلاث وعشرون امرأة، كلهن أهل بيت هذا الخارجي الذي همّ الحجاج بقتله، فقال لهن الحجاج: ما حاجتكن؟ فتقدمت امرأة منهن فقالت: أصلح الله الأمير! إن رأيت أن تتفضل باستماع ما أقول! فقال الحجاج: قولي ما أحببت، فأنشأت وجعلت تقول:
أحجاج لو [٢] تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا
أحجاج إما [٣] أن تمنّ بتركه ... علينا وإما أن تقتلنا معا
أحجاج لم [٤] تضجع له ونسائه ... ثمانا وتسعا واثنتين وأربعا
فمن رجل دان يقوم مقامه [٥] ... علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا
[ () ] من الخوارج كان بسبب خوفه، وبعد أن رأى بأم عينه الذين قتلوا قبله.
[١] في الأصل: يسألون.
[٢] في تهذيب ابن عساكر: لم تشهد.
[٣] تهذيب ابن عساكر ٤/ ٦٢ إما أن تجود بنعمة.
[٤] تهذيب ابن عساكر: كم تقتل به إن قتلته ثمانا وعشرا ...
[٥] ابن عساكر: من هذا يقوم ... إن تزدنا.