الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٥
قال الحجاج: صدقت، فهل علمت من الفرائض [١] ؟ فقال: نعم وإني لأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه؟
قال: نعم، إني لأبصر منه ما أقوّم به أهلي وأرشد به ذا العماء من قومي.
قال: فهل نظرت في النجوم؟ فقال: نعم، إني لأعرف منازل القمر، وما أهتدي [٢] به في السفر، قال: فهل تروي الشعر؟ قال: نعم، إني لأروي منه المثل وأعرف الشاهد من أيام العرب. قال: فاتخذه الحجاج سميرا وأجرى عليه رزقا، فلم يكن يسأله عن شيء من العلوم والأخبار والأحاديث والأسمار إلا وجد عنده من ذلك طرفا [٣] .
قال: وبلغ ذلك قطري بن الفجاءة صاحب الأزارقة، فاشتد عليه مكان سبرة بن الجعد من الحجاج لأنه كان قد يرى رأيهم، قال: فكتب إليه قطري بن الفجاءة بهذه الأبيات:
لشتان ما بين [ابن] جعد وبيننا ... إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر [٤]
وراح ابن جعد الخير نحو أميره ... أمير بتقوى ربه غير آمر
نجالد [٥] فرسان المهلب كلنا ... صبور على وقع السيوف البواتر
أبا الجعد أين العلم والحلم والنهى ... وميراث آباء كرام العناصر
ألم تر أن الموت لا شك نازل ... ولا بعث إلا للألى في المقابر
عراة حفاة والموات لديهم ... إلى ظلمة تغشى عيون النواظر [٦]
وتب توبة تهدي إليك سعادة ... فإنك ذو ذنب ولست بكافر
فإن الذي قد نلت يفنى وإنما ... بقاؤك في الدنيا كوقعة طائر
[١] في مروج الذهب: فهل تفرض.
[٢] عن مروج الذهب، وبالأصل: وما يهتدى.
[٣] في مروج الذهب: علما.
[٤] «ابن» زيادة عن مروج الذهب. والمظاهر الذي لبس بعضه فوق بعض، كأن يظاهر المحارب بين درعين، والحديد: الدرع.
[٥] في مروج الذهب ٣/ ١٦٥ نجاهد.
[٦] البيت في مروج الذهب:
حفاة عراة والثواب لربهم ... فمن بين ذي ربح وآخر خاسر