الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣١
وهو يرتجز ويقول شعرا [١] . قال: فلم يشعر الأزارقة إلا ومدرك بن المهلب قد وافاهم في خيله [٢] ، فلما نظروا إليه رجعوا إليه، فجعل رجل منهم يرتجز ويقول [٣] :
أكل يوم يبعث المهلّب ... خيلا عليه من بنيه أغلب
ليس لنا في الأرض منه مهرب ... لا شيء إلا الموت وإلا فاهربوا
قال: فحمل عليهم مدرك بن المهلب في خيله، فقتل منهم من قتل واستنقذ السرح، وانهزمت الأزارقة وتركوا عامة أموالهم، فرجع مدرك بأسلاح وأسلاب القوم إلى العسكر، فقال له المهلب: ما فعلت يا بني؟ فقال: استنقذت السرح وجئت بعامة أسلاب القوم، فقال: ولم فاتك أحد منهم لم تقتله؟ فقال: أصلح الله الأمير! لقد قاتلت القوم أشد القتال، ولولا ذلك لما قدرت على السرح. فقال المهلب: هيهات يا بني! كل امرئ [٤] لا أليه بنفسي فهو ضائع! فقال له رجل من أصحابه [٥] : أصلح الله الأمير! لئن كنت لا تريد من الرجال إلا مثلك فلا والله ما فينا من يساوي شسع نعلك، قال: ثم أنشأ ذلك الرجل يقول أبياتا مطلعها:
قل للمهلب والسياسة كاسمه ... إن كنت تطلب للسياسة مثلكا
إلى آخرها.
قال: فبينا المهلب نازل على باب إصطخر محاصرا للأزارقة إذ خرجوا في جوف الليل يريدون الهرب منها إلى المدينة البيضاء [٦] ، وذلك أنهم قد أكلوا جميع ما كان بمدينة إصطخر فخرجوا عنها هاربين، واتصل الخبر بالمهلب، فنادى في
[١] وأخذ رجل أسود من الأزارقة يشل السرح أي يطرده وهو يقول:
نحن قمعناكم بشل السرح ... وقد نكأنا القرح بعد القرح
انظر الكامل للمبرد ٣/ ١٣٢٥- ١٣٢٦.
[٢] في الكامل للمبرد ٣/ ١٣٢٥ فثار بشر بن المغيرة ومدرك والمفضل ابنا المهلب، فسبق بشر إلى الطريق. وإذا برجل من الأزارقة يشل السرح ... ولحقه المفضل ومدرك ...
[٣] الأشطار في شعر الخوارج ص ١٤٩.
[٤] في الكامل للمبرد ٣/ ١٣٢٥: أمر.
[٥] في الكامل للمبرد: فقال له بشر بن المغيرة.
[٦] المدينة البيضاء أكبر مدينة في كورة إصطخر.