الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٦
ومناجزتهم فإنه قد طاولهم. فلما ورد كتاب الحجاج على المهلب وقرأه تبسم ضاحكا ثم قال: والله ما أنا والحجاج إلا كما قال أوس بن حجر [١] :
ومستعجل عما يرى من آبائنا ... ولو أضجرته الحرب لم يترمرم [٢]
قال: فجعل ذلك الثقفي [٣] يتكلم ويخطب ويحرض على القتال، فقال له المهلب: أيها الرجل! إن الحرب ليس بالكلام ولا بالخطب، ولكن اصبر حتى ترى وتنظر إلى حرب القوم! قال: ثم نادى المهلب في الناس وزحف نحو الأزارقة، واختلط القوم فجعلوا يقتتلون من صلاة الظهر إلى أن انتصف الليل. قال: وبقي الثقفي حيران لا يدري ما يقول، ثم أقبل على المهلب فقال: حسبك يا أبا سعيد! فقال له المهلب: اصبر قليلا ولا تعجل، قال: فلم يزل القوم يقتتلون إلى وقت السحر، وكاد الثقفي يموت لما رأى. قال: وأصبح القوم فرجع عن بعضهم بعض في وقت الضحى، فأنشأ رجل من أصحاب المهلب في ذلك يقول [٤] .
ما زلت يا ثقفي تخطب دانيا [٥] ... وتغمّنا بوصية الحجاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا ... وسما لنا صرفا بغير مزاج
ولّيت يا ثقفي غير مناظر ... تبدين [٦] بين أحزّة وفجاج
وبنو المهلب في الغبار كأنهم ... أسد لبسن يلامق الديباج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغا ... شرب المدامة في إناء زجاج
[١] في الكامل للمبرد ٣/ ١٣٢٧ أن المهلب قال البيت متمثلا بعد أن وجه الحجاج برجلين إلى المهلب أحدهما من كلب والآخر من سليم يستحثانه بالقتال.
[٢] روايته في الكامل:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
لم يترمرم: أي لم يتحرك.
[٣] يريد بالثقفي عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفي وكان الحجاج قد أرسله أيضا إلى المهلب يستحثه بالقتال. (كما في الكامل للمبرد ٣/ ١٣٤٠) وكانت رسل الحجاج إلى المهلب قد كثرت حتى أن الروايات اختلفت في الوقت الذي أرسل فيه هذا الرسول أو ذاك وهذا ما أحدث هذا الاضطراب في تحديد أسمائهم ومتى أرسلوا.
[٤] في الكامل للمبرد ٣/ ١٣٤٣ رجل من بني عامر بن صعصعة.
[٥] في الكامل للمبرد: بيننا.
[٦] في الكامل للمبرد: تنساب.