الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ١٠٧
هل سمعت لهوا قط؟ قال سعيد: لا ولا رأيته. قال: فدعا الحجاج بالعود والناي، فضرب بالعود ونفخ في الناي، قال: فبكى سعيد بكاء شديدا، فقال له الحجاج:
ما يبكيك؟ فقال: إذا أخبرك يا حجاج! أما هذه النفاخة فإنها ذكرتني نفخة إسرافيل إذا نفخ في الصور فَفَزِعَ من في السَّماواتِ وَمن في الْأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ٢٧: ٨٧ [١] ، وأما هذه الأخشاب والأوتار فإنها قطعت وفتلت من هذه المصارين لمعصية الله والله سائلك عنها يا حجاج! فقال الحجاج: ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال سعيد: أقول إنه في الجنة، قال: فما تقول في بني مروان في الجنة هم أم في النار؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة وفيها أهلها لعلمت من فيها. قال الحجاج: كيف شهدت لغير بني مروان بالجنة؟ فقال سعيد: شهدت لهم بشهادة الرسول لهم أن العشرة في الجنة، ولكن ما أنت يا حجاج وما هؤلاء وما سؤالك عن المغيب وقد عزب عليك علمه. قال الحجاج: الويل لك مني يا سعيد! قال سعيد: بل الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. قال الحجاج: خذوه! فبادر إليه أعوان الحجاج، قال سعيد: بِسْمِ الله مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ١١: ٤١ [٢] ثم مضوا به ليقتل، قال الحجاج: ردوه! وهو يضحك. قال الحجاج:
وما يضحكك وقد بلغني أنك لم تضحك قط؟ قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عنك. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه! قال سعيد: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ ٦: ٧٩ [٣] . قال الحجاج: اصرفوا وجهه عن القبلة! قال سعيد: فَأَيْنَما [٤] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ٢: ١١٥ إن الله واسع عليم. قال الحجاج: اضربوا وجهه بالأرض! قال سعيد: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ٢٠: ٥٥ [٥] قال الحجاج: اضربوا عنقه! فقدم سعيد بن جبير فضرب عنقه- رحمه الله-.
قال: واختلط على الحجاج عقله، فلم يزل نادما على قتله حتى ربما كان
[١] في سورة النحل الآية ٨٧ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ٢٧: ٨٧ ... وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ ٢٧: ٨٧.
[٢] سورة هود الآية ٤١.
[٣] سورة الأنعام (وليس فيها مسلما) الآية ٧٩.
[٤] سورة البقرة الآية ١١٥ وفيها فأينما.
[٥] سورة طه الآية ٥٥.