محاضرات في أصول الفقه - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٨٥ - بحث حول قاعدة الامتناع بالاختيار
المقدمات المفوّتة في أمثال هذه الموارد ، وأ نّه كيف يمكن الحكم بوجوبها مع عدم وجوب ذيها. وقبل التعرض لدفع الاشكال وبيان الأقوال فيه ينبغي تقديم أمرين :
الأوّل : أنّ ما اشتهر بين الأصحاب من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وينافيه خطاباً في غاية الصحة والمتانة ، فلو اضطرّ الانسان نفسه باختياره إلى ارتكاب محرّم كما لو دخل في الأرض المغصوبة أو ألقى نفسه من شاهق أو ما شاكل ذلك ، فعندئذ وإن كان التكليف عنه ساقطاً ، لكونه لغواً صرفاً بعد فرض خروج الفعل عن اختياره ، وأمّا عقابه فلا قبح فيه أصلاً ، وذلك لأنّ هذا الاضطرار حيث إنّه منتهٍ إلى الاختيار فلا يحكم العقل بقبحه أبداً.
وناقش في هذه القاعدة طائفتان : فعن أبي هاشم المعتزلي [١] أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً وخطاباً ، وكان للمولى في المثالين المذكورين أن ينهى عن التصرف في مال الغير بدون إذنه ، ويأمر بحفظ نفسه ، بدعوى أنّه لا مانع من التكليف بغير المقدور إذا كان مستنداً إلى سوء اختياره. ويظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي قدسسره أيضاً [٢]. وفي مقابل هذا القول ادّعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً وخطاباً. أمّا الخطاب فهو واضح ، لأنّه لغو صرف. وأمّا العقاب فلأ نّه عقاب على غير مقدور وهو قبيح عقلاً.
ولنأخذ بالنقد على كلا القولين :
أمّا القول الأوّل : فلأنّ الغرض من التكليف هو إحداث الداعي للمكلف
[١] البرهان في اصول الفقه ١ : ٢٠٨ ، المنخول : ١٢٩. [٢] قوانين الاصول ٢ : ١٥٣.