شرح الأصول من الحلقة الثانية - البحراني، محمّد صنقور علي - الصفحة ٢٣٤ - الاتجاهات في تفسير معنى النهي
وكأنهم يرون أنّ معنى النهي لا يخلو عن أحد هذين المعنيين فإذا سقط أحدهما تعيّن الآخر.
وكيف كان فالدليل الذي استدلّوا به على إثبات مدّعاهم ليس تاما ؛ وذلك : لأنّ الترك وإن كان ثابتا من الأزل إلاّ أنّ انقطاعه مقدور للمكلّف ، وهذا هو المصحّح للتكليف بالترك ـ أي الاستمرار على الترك ـ إذ أنّه كل ما كان أحد النقيضين مقدورا كان نقيضه أيضا داخلا تحت القدرة ، فالقادر على الفعل قادر على نقيضه وهو الترك وإلاّ لما كان الفعل مقدورا له ، وفي المقام لمّا كان فعل المنهي عنه مقدورا فهذا يعني أنّ تركه أيضا مقدور لعدم إمكان تحقّق القدرة في أحد طرفي النقيضين دون الآخر ؛ وذلك لأن القدرة هي ما كان فيها كلا النقيضين داخلين تحت الاختيار.
وأمّا ما استدلّ به أصحاب الاتجاه الأول لإسقاط الاتجاه الثاني ـ القائل بأنّ النهي هو الكفّ وتوطين النفس على ترك الفعل المنهي عنه ـ فهو أنّه لا إشكال في أنّ الذي ترك الفعل لا عن توطين وإعمال من النفس على الترك ـ بل عن دافع آخر ـ لا يعدّ بنظر العرف مخالفا للمولى وعاصيا له.
الاتجاه الثالث : وهو مختار المصنّف ; ، وحاصله : أنّ النهي يعني الزجر عن الفعل الذي وقع متعلّقا للنهي أو قل إنّه الإمساك من قبل المولى عبده عن أن يقع في مخالفة المنهي عنه ، غايته أنّ النهي تارة يستفاد من المادة فيكون معناه الزجر والإمساك بالمعنى الاسمي وتارة يستفاد من الهيئة فيكون مفاده النسبة الزجريّة الواقعة بين المزجور ـ وهو المكلّف ـ والمزجور عنه ـ وهو الفعل المنهي عنه ـ أو النسبة الإمساكيّة الواقعة بين الممسوك والممسوك عنه ـ وهو متعلّق النهي ـ.