المعاد الجسماني - الساعدي، شاكر عطية - الصفحة ٢٠٠ - ٧ موقف الشيخ من نظرية الشرع في المعاد الجسماني
لا ينکر الالتذاذ والتألم الجسماني اعتماداً منه على الشرع المقدّس ؛ إذ لا طريق للعقل في بيانه ، فقد قال في توضيح هذه الحقيقة : ( وأمّا إذا انفصلنا عن البدن ، وکانت النفس منّا تنبهت في البدن لکمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله ، وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت أنه بالفعل ، أنه موجود ، إلا أن اشتغالها بالبدن کما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها ، کما ينسى المرض الحاجة إلى بدل ما يتحلل ، وکما ينسي المرض الاستلذاذ بالحلو واشتهاءه ، ويميل بالشهوة من المرض إلى المکروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه کفاءة ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها ، ويکون ذلک هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعدلهما تفريق النار الاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج ، فيکون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف ، وأي الذي قد علمت فيه نار أو زمهرير ، فمنعت المادة الملابسة وجه الحس عن الشعور به ، فلم يلتذ ، ثم عرض أن زال العائق فتشعر بالبلاء العظيم.
وأما إذا کانت القوة العقلية بلغت من النفس حداً من الکمال يمکنها به إذا فارقت البدن تستکمل الاستکمال التام الذي لها أن تبلغه ، کان مثلها مثل الخدر الذي أذيق المطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وکان لا يشعر به ، فزال عنه الخدر وطالع اللذة العظيمة دفعة ؛ وتکون تلک اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه ، بل لذة تشاکل الحالة الطبية التي هي للجواهر الحية المحضة ، وهي أجل من کل لذة واشرف ، فهذه السعادة ، وتلک هي الشقاوة ، وتلک الشقاوة ليست تکون لکل واحد من الناقصين ، بل الذين اکتسبوا للقوة التشوق إلى کمالها ، وذلک عندما يبرهن لهم أن من شأن النفس إدراک ماهية الکل ... ). [١]
ويتضح لنا من خلال هذا النص المتعلق ببيان طبيعة ونوع الالتذاذ والتألم
[١] الشيخ الرئيس ابن سينا ، الإلهيات من الشفاء ، ص ٤٦٦ ؛ تحقيق حسن حسن زاده آملي.