الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩
وكان المتوقع من أمة ورثت هذه التركة النفيسة الغالية أن تكون مرصوصة الصفوف ومتوحدتها ، غير مختلفة في الأصول والفروع ، سالكة سبل الحياة بهدوء وطمأنينة. ولكن ـ يا للأسف ـ حدثت حوادث وطرأت حواجز عرقلت خطاها ، وصدتها عن نيل تلك الأمنية المنشودة. فظهرت بينها آراء متشعبة ، ونبتت فيها فرق تحمل عقائد وأفكاراً لا توافق حكم الثقلين ، وتضاد مبادئ الإِسلام وأُسسه. وما هذا إلاَّ لأجل عدم تمسكهم بما أمر النبي بالتمسّك به ، وهذا واضح لمن راجع تاريخ المسلمين. وليس المقام مناسباً لتفصيله ، « ودع عنك نَهَباً صيح في حجراته ... ».
علم الكلام وليد الضروريات الزمنية
قام المسلمون بعد رحلة النبي صلىاللهعليهوآله ، بفتح البلاد ، ومكافحة الأمم المخالفة للإسلام ، وكانت تلك الأمم ذات حضارة وثقافة في العلوم والآداب ، وكان بين المسلمين رجال ذوو علاقة متأصلة بكسب العلوم السائدة في تلك الحضارات. فأدت تلك العلاقة إلى المذاكرة والمحاورة أولاً ، وترجمة كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً.
وقد كانت معارف اليونان والرومان والفرس منتشرة في بلاد إيران والشام وما والاها الّتي فتحها المسلمون بقوة الإِيمان ، وضرب السيوف ، فعند ذاك استولى المسلمون على العلوم اليونانية والإِيرانية ، ونقلوها عن السريانية والفارسية إلى العربية [١].
وأعان على أمر الترجمة وجود عدّة من الأسرى في العواصم الإِسلامية ، فصار ذلك سبباً لانتقال كثير من آراء الرومان والفرس إلى المجتمع الإِسلامي وانتشارها بينهم. وكان بين المسلمين من لم يتدرع في
[١] الكامل : ٥ / ٢٩٤ ، حوادث سنة ٢٤٠ ه ، وص ١١٣.