التّمحيص

التّمحيص - الإسكافي، محمد بن همّام - الصفحة ٦

أو لهب السعير ، ويحذّرونا صولة الدهر ، وفحش تقلّب الليالي والأيّام ، فلا نركن إليها أبدا ، ولا تغترّ منها بمحالات الأحلام والآمال ، ولا نخدع بزور الأمانيّ الطوال.

ثمّ إنهم ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أناروا القلوب ، وشرحوا الصدور ، وأوضحوا بأنّ من لم يبتل فهو عند الله مبغوض ، فقد جاء عنهم عليهم‌السلام « إذا رأيت ربّك يوالي عليك البلاء فاشكره ، وإذا رأيته يتابع عليك النعم فاحذره » [١].

والله سبحانه يتعاهد عباده المؤمنين بالبلاء ، كما يتعاهد المسافر عياله بأنواع الهدايا والطرف ـ كما جاء في الخبر ـ [٢] ، ولولا أن يرتاب بعض ضعاف النفوس لجعل الله « لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة ومعارج عليها يظهرون » [٣] ولهذا خصّ الآخرة خالصة للمؤمنين ( قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) [٤] ، وأمّا الدنيا فهم فيها مبتلون ، ليسمع دعاء أحبّائه حين يمسون وحين يصبحون ، وفي خلواتهم ـ مع حبيبهم ـ يتناجون ، وبالأسحار هم يستغفرون.

ولذا جعل سبحانه الفقر ـ مثلاً ـ بمنزلة الشهادة ، كما ورد عن أهل بيت العصمة عليهم‌السلام : « ولا يعطيه من عباده إلاّ من أحبّ » [٥] ثمّ « إنّ الرجل منهم ليشفع لمثل ربيعة ومضر » [٦] لما صبروا وشكروا ، لما زرعوا للآخرة من الباقيات الصالحات فحصدوا ما بذروا ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثل الّذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضرّاء وزلزلوا .. ) [٧].

وفي الخبر [٨] أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله رأى فاطمة الزهراء عليها‌السلام « وعليها كساء من أجلّة الإبل ، وهي تطحن بيديها ، وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة ، فقالت : يا رسول الله ، الحمد لله على نعمائه ، والشكر لله على آلائه ، فأنزل الله سبحانه : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) [٩].

فمن جُعلت الدنيا سجنه ، كانت الآخرة جنّته ، ولهذا ورد في الخبر أنّ آخر من يدخل الجنّة من الأنبياء سليمان ، لما اُعطي في الدنيا من النعيم والملك العظيم [١٠] ، بينما


[١] غرر الحكم ص١٤٠س ١٥، البحار ٦٧ / ١٩٩.

[٢] الكافي٢ / ٢٥٨ ح ٢٨ ، البحار ٦٧ / ٢٢١ ح ٢٨.

[٣] الزخرف ٤٣ / ٣٣ وبدايتها ( ولولا أن يكون الناس اُمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن .. ).

[٤] الاعراف ٧ / ٣٢.

[٥] يأتي ص ٤٧ ح ٦٤.

[٨] مناقب ابن شهراشوب ٣ / ١٢٠ ، نور الثقلين ٥ / ٥٩٤ ح ١٠.

[٦] يأتي ص ٤٧ ح ٦٨.

[٩] الضحى ٩٣ / ٥.

[٧] البقرة ٢ / ٢١٤.

[١٠] يأتي ص ٤٩ ح ٨٠.