التّمحيص - الإسكافي، محمد بن همّام - الصفحة ٣
المقدّمة
الحمد لله الذي جعل البلايا تمييزاً للطيّبين عن الخبيثين [١] ، ونكالاً للظالمين ، وجعل تقلّبات الأحوال ، اختباراً لطويّات الرجال ، فمن دار فناء وزوال ، قد ملئت بالهموم والغموم ، وعجت بالمحن والآلام ، إلى ارتحال وانتقال ، ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) [٢] ، فالشقيّ من غرّته ولم يعتبر بمن سكنها قبله من الماضين ، كانوا أطول أعماراً ، وأبقى آثاراً ، وأبعد آمالاً ، والسعيد من اعتبر بها ، واستفاد من تجاربها ، فصغرت في عينه وهانت عليه ، وأحب مجاورة الجليل في داره ، وسكنى الفردوس في جواره.
وصلّى الله على أشدّ الناس ابتلاء ، وأكثرهم صبراً على إيذاء ، وأوفرهم شكراً على ما جرى به القضاء ، محمّد وآله الأوصياء الأصفياء ، الحجج على العباد ، والهادين للرشاد ، والعدّة للمعاد ( اولئك عليهمْ صلواتٌ منْ ربِّهمْ ورَحمةٌ ) [٣].
واللعنة الدائمة على أعدائهم الأخسرين ( الّذين ضلّ سعيُهم في الحياةِ الدُّنيا ) [٤] ، وفي الآخرة ( تَلفحُ وجوهَهُمُ النارُ وهمْ فيها كالحونَ ) [٥].
عبر تاريخ الإنسانيّة الطويل ، ومنذ فجر النبوّات ، بدأ الصراع المرير ، بين الحقّ وجيوش الأباطيل ، بين الخير وقوى الشرّ والضلال ، بين النور وجحافل الظلام ، فعاش الإنسان طوال آلاف السنين ، تحت سياط الجلادين ، وفي دياجير السجون ، قد اثقلت كواهل المساكين والمستضعفين ، بالحروب والويلات ، والخراب والدمار ، فاُبيدت اُمم وشعوب ، واستعبدت أجيال تلو أجيال ، فضجّت الأرض تستصرخ بارئها بما تئنُّ من جراح ، وتستغيث من مباضع الحراب والسيوف والرماح ، ولولا بوارق أمل و ومضات ، تشعّ بين الحين والحين من هدي السماء عبر الرسالات ، وإمداد التابعين بالصبر والإيمان وسيل الشحنات ، لَما كان للحياة مذاق فتطاق ، ولا للعيش طعم واشتياق.
فأصحاب الشرائع كانوا دؤوماً محاربين ، وأتباعهم مضطهدين مسحوقين ، إلا
[١] إشارة للآية الشريفة ( ما كان اللهُ ليذَر المؤمنينَ على ما أنتم عليه حتّى يَمِيزَ الخبيثَ مِنَ الطيِّبِ ) آل عمران ٣ / ١٧٩.
[٢] آل عمران ٣ / ١٤٠.
[٣] البقرة ٢ / ١٥٧.
[٤] الكهف ١٨ / ١٠٤.
[٥] المؤمنون ٢٣ / ١٠٤.