الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٣٨ - حصار عثمان رضي الله عنه
وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسوله قد غيرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان ، إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا ، وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض [١] . من غلب على شئ أكله . أليس هذا كتابكم إلينا ؟ فبكى طلحة ، فقال الأشتر : لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم ، والله لا نفارقه حتى نقتله ، وانصرف . قال : ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة ، وابن عباس يخطب ، وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم ، فقام نافع ففتح الكتاب ، فقرأ ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين ، إلى من حضر الحج من المسلمين ، أما بعد . فإني كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور ، أشرب من بئر القصر ، ولا آكل من الطعام ما يكفيني ، خيفة أن تنفد ذخيرتي . فأموت جوعا أنا ومن معي ، لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولا تسمع مني حجة أقولها ، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم علي ، فأخذ الحق في ، ومنعني من الظلم والباطل . قال : ثم قام ابن عباس ، فأتم خطبته ، ولم يعرض لشئ من شأنه . وكتب إلى أهل الشام عامة ، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة : أما بعد فإني في قوم طال فيهم مقامي ، واستعجلوا القدر في ، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف [٢] من الإبل إلى دخل [٣] . وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني [٤] . وبين أن أقيدهم [٥] ممن قتلت . ومن كان على سلطان يخطئ ويصيب ، فيا غوثاه يا غوثاه ، ولا أمير عليكم دوني ، فالعجل العجل يا معاوية ، وأدرك ثم أدرك ، وما أراك تدرك .
[١] ملك عضوض ، لاصق بأصحابه يصعب خلعهم منه ، أو شديد قوي على الناس .
[٢] الشارف من الإبل : المسن العجوز .
[٣] دحل بضم الدال وسكون الحاء جزيرة بين اليمن وبلاد البحة ، المراد خيروه بين النفي وبين الاستقالة من الخلافة .
[٤] رداء الله هو الخلافة .
[٥] أسلم لهم نفسي ليأخذوا القود مني فيقتلوني قصاصا بمن قتل من المسلمين .