الإمامة والسياسة - ت الزيني - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٥٢ - خطبة مروان بن الحكم بين يدي معاوية
خطبة مروان بن الحكم بين بدى معاوية قال بعد التسليم عليه بالخلافة : إن الله عظيم خطره ، لا يقدر قادر قدره ، خلق من خلقه عبادا ، جعلهم لدعائم دينه أوتادا ، هم رقباؤه على البلاد ، وخلفاؤه على العباد ، أسفر بهم الظلم ، وألف بهم الدين ، وشدد بهم اليقين ومنح بهم الظفر ، ووضع بهم من استكبر ، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا ، وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا ، وعلى من خالف عنها أعوانا ، يشد بنا العضد ، ويقام بنا الأود ، ونستشار في القضية ، ونستأمر في أمر الرعية ، وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة ، تفتح بأزمة الضلال ، وتجلس بأهواء الرجال ، يؤكل جزورها [١] ، وتمق أحلابها [٢] فما لنا لا نستأمر في رضاعها [٣] ونحن فطامها وأولات فطامها ؟ وأيم الله لولا عهود مؤكدة ، ومواثيق معقدة ، لأقمت أود وليها ، فأقم الأمر يا بن أبي سفيان وأهدئ [٤] من تأميرك الصبيان ، واعلم أن لك في قومك نظرا ، وأن لهم على مناوأتك وزرا [٥] .
فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ، ثم كظم غيظة بحلمه ، وأخذ بيد مروان ، ثم قال :
إن الله قد جعل لكل شئ أصلا ، وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني محتدا ، والعزيز مني والدا ، اخترت من قروم [٦] قادة ، ثم استللت سيد سادة ، فأنت ابن ينابيع الكرم ، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين ، شهداء صديقين ، كانوا كما نعت ، وكنت لهم كما ذكرت ، وقد أصبحنا في أمور مستحيرة ، ذات وجوه مستديرة ، وبك والله يا ابن العم نرجو استقامة أودها ، وذلولة صعوبتها ، وسفور ظلمتها ، حتى يتطأطأ جسيمها [٧] ، ويركب بك عظيمها ، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده ، وفي كل شدة عضده ، وإليك عهد عهده ، فقد وليتك قومك ، وأعظمنا في الخراج سهمك ، وأنا مجيز [٨] وفدك ، ومحسن رفدك [٩] ، وعلى أمير المؤمنين غناك ، والنزول عند رضاك .
[١] يؤكل جزورها : يؤكل لحمها .
[٢] وتمق أحلابها : يشرب لبنها جميعه فلا يترك منه شئ والمراد بالجملتين أن معاوية يستأثر بكل شئ في الخلافة ولا يترك لمروان منها شيئا .
[٣] يريد مالك لا تأخذ رأينا في الخلافة ونحن قادرون على منع درها عنك .
[٤] أهدئ : أبطئ وترو ولا تتسرع .
[٥] الوزر الملجأ والمستعان .
[٦] القروم جمع قرم وهو الشجاع .
[٧] يتطأطأ جسيمها : حتى يذلل صعبها .
[٨] مجيز وفدك : معطيهم جوائز .
[٩] الرفد : العطاء .