تأريخ المستبصر - ابن المجاور - الصفحة ٧٥ - فصل (فرج بن إسحاق وعبده)
فصل : تولى أعمال الكدراء القائد بلال فى دولة الأمير فاتك بن محمد ونشأ فى عهده القائد فرج بن إسحاق فكان يأكل ويشرب إلى أن عبر أكله الحد فضجر منه خاله بلال ، فلما رأى ذلك خرج فرج بن إسحاق ومعه عبد أسود وكانوا يقطعون الطرق ما بين حرض والمحالب مدة عامين ونصف ، بينا هم فى حالهم عاملون إذ قال العبد الأسود لفرج : يا مولاى ، أخاف إذا وصلت مع بلال تنسانى ، فأنشد فرج قول الشاعر :
| إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا | من كان يألفهم فى المنزل الخشن |
فما زال [١] العبد يردد البيت إلى أن حفظه ، فمات القائد بلال وطلب فرج بن إسحاق ، فلما حضر ولوه أعمال الكدراء فرجع فى الأمر والنهى والأخذ والعطا ، فلما طال البعد على العبد طلب سيده ودخل الكدراء فكتب البيت المقدم ذكره فى رقعة وعرضها على فرج بن إسحاق ، فلما وقف على الرقعة طلب العبد وأدخله وأحسن إليه غاية الإحسان وولاه موضعا يعيش فيه باقى عمره ، وفيه يقول :
| ظباء فى الفلا سنحوا | هم منحوا وما منحوا | |
| وصادوا ثم ما صيدوا | هم أخذوا وما صفحوا | |
| هم قتلوا فتّى وجدا | وقالوا : إنهم مزحوا |
[١] فى الأصل : «فلا زال» والصواب هو المثبت ، لأن الفعل «زال» إذا نفى ب «ما» أفاد الاستمرار ، كما هو هنا ، وإذا نفى ب «لا» أفاد الدعاء ، تقول : لا زلت بخير ، أى : أرجو أن تكون بخير ، وقد قال ذو الرمة :
| ألا يا اسلمى يا دارمى على البلا | ولا زال منهلا بجرعانك القطر |