أصول الفقه - الأراكي، محمد علي - الصفحة ٦٠١ - آية النفر
المذكورة كلّها مخدوشة ، أمّا توجيه الملازمة بين رجحان الحذر عقيب الإنذار وبين وجوبه بما ذكره في المعالم ، فلأنّه إنّما يتمّ بالنظر إلى العقاب ؛ إذ هو إمّا معلوم الاستحقاق فيجب الحذر ، وإمّا غير معلوم فلا يحسن ، للعلم بعدمه بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فإنذار المنذر إمّا حجّة فيجب الحذر ، وإمّا لا فلا يحسن ، ولكنّه بالنظر إلى المصلحة والمفسدة غير تامّ [١] ؛ إذ يمكن فرض الرجحان بدون الوجوب للحذر عن فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة الكامنتين في الفعل ، فيحسن لأجل ذلك الاحتياط والتحذّر وإن كان لا يحسن من حيث العقوبة.
وأمّا توجيه الملازمة بالإجماع المركّب والوجه الثاني ـ أعني إثبات وجوب الحذر بكونه غاية للانذار الواقع غاية للنفر الواجب بقضيّة لفظة «لو لا» ـ والوجه الثالث اعني ـ إثبات الوجوب في الإنذار بما ذكروا في الحذر بلزوم اللغويّة ـ فالخدشة في الكلّ من جهتين.
الاولى : أنّ الآية إنّما تدلّ على المدّعى لو استفيد منها وجوب الحذر مطلقا ، سواء
ـ الوعظ والإنذار حالة الخوف ، ويكفي فيه مجرّد احتمال صدق المنذر ، فعند هذا الاحتمال والخوف يبعثه عقله نحو أحد الأمرين : إمّا الاحتياط ، أو الفحص والوصول إلى الواقع ، فالآية غير مرتبطة بمقام الحجيّة أصلا.
فإن قلت : الجاهل نفس جهله واحتماله يكفي في جريان حكم العقل في حقّه. قلت : فرق واضح بين الجاهل العامل أو الملتفت المغمور في الشهوات ، وبين من يعظه وينذره شخص عالم فقيه خبير بالمطالب ، وبالجملة إنكار ثمرة الإنذار حتّى في حقّ العالم فضلا عن الجاهل بمثابة إنكار البديهي. منه قدسسره الشريف.
[١] الإنصاف أنّ هذا الإشكال بعد تسليم أنّ المراد مطلوبيّة العمل بعد الحذر ولأجله غير وارد من وجهين ، الأوّل : أنّ الظاهر من الحذر في الآية هو الخوف عن العقوبة الاخرويّة ، والثاني : أنّ المصالح والمفاسد يختصّ فهمها بالأوحديّ من الناس ممّن يحكم عقله باستتباع الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات ، وبعد الفهم أيضا يختصّ الارتداع عن الوقوع في ضررها بالأوحديّ من الأوحدي. منه قدسسره الشريف.